من صور الرعب التي خلفتها مذبحة جنوب السودان

بادئ ذي بدء، قام المسلحون بتطويق معسكر صيد السمك في أعقاب اقتحامهم له في ساعة من الظلام الحالك قُبيل الفجر.

Image caption فتاة من جنوب السودان تظهر عليها جروح سببها لها المهاجمون

بعدئذ، قاموا بإطلاق النار، ومن ثم انتقلوا حاملين حرابهم ليجهزوا بها على من سقطوا جرحى في المكان.

تقول نياكونج جاتويك، وهي أم حامل وتبلغ من العمر 20 عاما: "لقد أطلقوا علي النار فأصابوني في ذراعي، فسقطت أرضا. لكنهم، باغتوني عندما كنت أهم بالوقوف ثانية، وغرزوا حربة في ظهري."

وتضيف جاتويك قائلة: "لقد ظنوا أنني كنت ميتة، ولذلك تركوني بعدها في حالي سبيلي."

منطقة نائية

لقد قام مقاتلون من قبيلة مورل العرقية بشن هجوم في الثاني من شهر آب/أغسطس الحالي على منطقة نائية في ولاية جونجيلي، لتكون تلك الحادثة بذلك واحدة من أسوأ أعمال العنف المنفردة التي يشهدها جنوب السودان منذ نهاية الحرب الأهلية في البلاد قبل نحو أربع سنوات.

يقول مسؤولون محليون إن 185 شخصا على الأقل لقوا حتفهم في الهجوم، معظمهم من النساء والأطفال.

ويغدو مثل هذا النوع من الهجمات مألوفا بشكل متزايد في منطقة جنوب السودان المضطربة، تلك المنطقة التي ما زالت تتعافى مما جرَّته عليها عقود من الحرب مع القسم الشمالي من البلاد، وذلك في واحد من أطول الصراعات في تاريخ القارة الأفريقية.

استعادة التجارب المريرة

وفي مستشفى أُقيم على عجل في بلدة أكوبو لعلاج الحالات الاضطرارية، راح بعض الجرحى الناجين من الهجوم يستعيدون تجاربهم المريرة وما ذاقوه من عذاب ومرارة على أيدي المهاجمين الذين استهدفوا مناطقهم.

يقول دوبول جوك، وهو صبي يبلغ من العمر عشرة أعوام: "لقد أطلقوا علي النار في ساقي، لكنني تمكنت من الوصول إلى النهر، حيث اختبأت هناك حتى ذهبوا جميعا."

من جهته، يقول والد دوبول، والذي جلس إلى جانب سرير ابنه في المستشفى وأخذ يراقبه بصمت، إن أخاه طُعن بالحراب حتى الموت على أيدي المهاجمين.

أما جوي جويول يول، مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في أكوبو، والذي زار موقع الهجوم مؤخرا، فيقول: "لقد كانت مذبحة جلية وواضحة. لقد رأينا الأطفال والنساء وقد طفت جثثهم على مياه النهر. أنا أتعجب لماذا يقدم أشخاص على فعل ذلك بحق أطفال أبرياء."

قلق "عميق"

إنه وضع يسبب قلقا عميقا. فالقتال شيء مألوف في المنطقة، ولكن غالبا ما يكون بسبب قطيع من الماشية أو قطعة أرض. إلا أن تصاعد موجة العنف هذه المرة، ترك العديد في حالة من الصدمة والذهول.

وحتى وحدة الجنود التي أُرسلت لحراسة سكان المخيم عندما كانوا يقومون بصيد الأسماك، لم تستطع تأمين الحماية لهم ولا لعناصرها الذين قضى منهم 11 فردا في الهجوم.

يُشار إلى أن العديد ممن استُهدفوا في الهجوم كانوا أصلا قد فرُّوا إلى أكوبو في شهر أبريل/نيسان الماضي في أعقاب اندلاع اشتباكات في مناطقهم في وقت مبكر، إلا أنهم عادوا إلى المنطقة بحثا عن الطعام.

طريق جوي

لقد كان الوصول إلى أكوبو لمدة أشهر متاحا عن طريق الجو فقط، إذ أن الأمطار الغزيرة غمرت الطرقات وتسببت بإغلاقها، كما أنه تم إغلاق الممر النهري المؤدي إلى البلدة من خلال الجيران المعادين والمتمترسين في منطقة أعالي النهر.

وكانت آخر قافلة نهرية تنقل 700 طن من المساعدات الغذائية المقدَّمة من قبل الأمم المتحدة قد سُرقت أو اُغرقت من قبل مسلحين انقضُّوا عليها خلال شهر يونيو/حزيران الماضي.

كما أزهق المسلحون أيضا أرواح عناصر القوة العسكرية التي كانت ترافق القافلة بغية تأمين الحراسة والحماية لها.

صيد سمك

تقول ياكونج جاتويك: "نحن بحاجة لكي نصطاد السمك، لأنه لا يوجد لدينا طعام. لقد أُرسل الجنود لحمايتنا."

من جانبها، تقول الأمم المتحدة إن عددا أكبر من الأشخاص لقوا حتفهم في منطقة جنوب السودان خلال الأشهر القليلة المنصرمة من جرَّاء أعمال العنف، وذلك مقارنة بعدد من قُتلوا في إقليم دارفور المضطرب والواقع غربي البلاد.

ويلقي العديد في الجنوب باللائمة على خصومهم السابقين خلال الحرب الأهلية، أي سكان مناطق شمال البلاد، إذ يتهمونهم بتشجيع شن الهجمات على المنطقة.

يد الشمال

نعود إلى المفوض يول الذي يقول: "بالتأكيد هنالك ثمة مؤشرات على وجود يد للشمال في ما يحدث."

ويضيف يول قائلا إن رعاة قطعان الماشية في المنطقة رووا كيف أنهم رأوا بأم أعينهم "طائرات مجهولة الهوية" وهي تهبط في مطارات غير واضحة الحدود والمعالم في المنطقة النائية التي وقع فيها الهجوم، حيث شاهدوا أيضا عملية إفراغ الطائرات من الشحنات والمواد التي كانت تحملها على متنها.

Image caption عدد ضحايا العنف في جنوب السودان أكثر ممن سقطوا في الحرب الأهلية

يقول المراقبون إن هنالك ثمة مخاوف من أن الشمال يودُّ خلخلة الأوضاع في منطقة الجنوب الغنية بالنفط، وذلك قُبيل إجراء الاستفتاء على تقرير مصير المنطقة في عام 2011، الأمر الذي يرى العديد أنه قد يؤدي إلى انقسام أكبر بلد أفريقي إلى بلدين في نهاية المطاف.

عدم ثقة

ويظل الشعور بعدم الثقة موجودا وواضحا بقوة بين الجانبين، واللذين تقسِّمهما الاختلافات الدينية والاثنية والعقائدية، تلك الخلافات التي كانت وراء اندلاع الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب وتواصلها على مدى عقود من الزمن.

لقد تعهد المسؤولون بإعادة فتح الطريق النهري، وزيادة الإمدادات وتعزيز الوضع الأمني في المنطقة. لكن شباب أبوكو متلهفون للانتقام لمن سقطوا في المذبحة التي استهدفت أهالي بلدتهم.

يقول جيمس جاتويك، وهو شاب يعمل في سوق خلا تقريبا من المؤن والمواد الأساسية: "نحن ليس بوسعنا أن نركن ونستريح وندع أعداءنا يستهدفوننا ويقضون علينا هكذا. فإن هم قتلونا، فسوف نقتلهم."