أحلام الشباب المصري المحبطة

اسرة سامي
Image caption أسرة سامي من سكان المقابر

يشترك سامي في منزله مع آخرين، لكن هؤلاء ليسوا من الأحياء بل من الموتى المدفونين تحت أرضية المطبخ، حيث يرقد ستون منهم هناك، لكنه لا يعرف أحدا منهم.

قد يبدو هذا أمرا صادما بالنسبة للكثيرين إلا أن لا شيء في هذه القصة يمكنه أن يصدم المصريين.

فالاحصائيات تشير إلى أن واحدا من كل 18 شخصا يعيشون في المقابر في القاهرة، وقد توقفوا عن التفكير في أسباب في ذلك.

هذه المقابر التي تبدأ من أسفل جبل المقطم وتمتد إلى مسافة 8 كيلومترات تضم حاليا أربعة مجمعات للمقابر.

وتميز القباب أهم المقابر مثل مجموعة مقابر أسرة محمد علي مؤسس الدولة العلوية التي انتهت بالإطاحة بالملك فاروق من الحكم في 1952.

ويبدو المشهد داخل هذه المقابر الملكية مختلفا تماما عن المشهد من الخارج، فشواهد المقابر محلاة بالأعلام بل والطرابيش التي كان يرتديها الملوك الراحلون.

أما داخل المكان الذي يعيش فيه سامي فيبدو المشهد مختلفا تماما فهو يبدو كما لو كان منزلا ريفيا.

ساحة المقبرة تبدو ذات ألوان زاهية، وهناك ستائر معلقة فوق النوافذ، بينما تتناثر الأسلاك الكهربائية التي تزود المكان بالضوء بطريقة غير قانونية، في فضاء غرفة النوم الخاصة بسامي وهي غرفة الدفن.

يقول سامي بفخر: "إنها أكبر من أي شقة من الشقق الخالية الموجودة على الطريق الدائري.. وأكثر برودة.. بل إن لدي أيضا حديقة". غير أن سماح، شقيقة سامي البالغة من العمر 15 عاما، لا تشعر بما يشعر به سامي من فخر بل ربما تشعر بنوع من الحرج.

إنهم يشيرون اليها في المدرسة على أنها الفتاة التي تنتمي إلى سكان المقابر.

تقول سماح: "لا يجب أن نعيش هنا. إننا أسرة مثقفة متعلمة. إن شقيقتي تدرس في كلية الهندسة، بينما يدرس شقيقي اللغة العربية وأنا أدرس لكي أدخل كلية الاعلام". وتمضي قائلة: "إنني أحلم بمغادرة هذا المكان. يوما ما سنشتري منزلا جديدا ونتظاهر بأننا كنا دائما نقيم فيه".

"موقف يائس"

لا توجد احصائيات تقول لنا كم تحديدا يبلغ عدد سكان مقابر القاهرة، لكن 60 في المائة منهم تحت سن الخامسة والعشرين.

سماح احدى الفتيات العربيات اللاتي يتطلعن إلى حياة أفضل، إلا أنهن لا يحققن الكثير رغم كل ما يبذلنه من جهد.

هاته الفتيات يتعين عليهن الانتظار طوال حياتهن للعثور على عمل يوفر دخلا يكفل لهن الحصول على مسكن مناسب.

وعندما تترك الفتيات المدارس العامة فإن سبعين في المائة منهن يفشلن في الحصول على أي عمل.

وهن لا يستطيعن تحمل تكاليف تكوين أسرة، وقد ارتفع متوسط سن زواج الفتيات في المدينة فبلغ 31 عاما.

يقول الدكتور ابراهيم العيسوي، المستشار الاقتصادي في معهد التخطيط القومي: "ان وضع هؤلاء الناس يدعو لليأس، ليس فقط الذين يعيشون في المقابر فهناك الكثيرون مثلهم يعيشون في الأحياء العشوائية الهامشية".

ويضيف: "إنهم يصرخون مطالبين بالحصول على الاحتياجات "الأساسية" مثل التعليم العام، والخدمات الصحية، وفرص العمل، وهي غير متوفرة إلا للمحظوظين".

50 مليون وظيفة

يقول أحدث تقرير صدر عن برنامج التنمية التابع للامم المتحدة إن العالم العربي يحتاح إلى 50 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2020 لاستيعاب الأعداد المتنامية من الشباب الذين ينضمون إلى قوة العمل".

حتى العام الجاري كانت الاصلاحات الاقتصادية الحكومية تحقق بعض التقدم لكن بعد الأزمة الاقتصادية العالمية وتأثيرها على المجتمع المصري بدأ الانكماش والتراجع.

كثير من الشباب يبدون في حالة حيرة بل ويأس، وهم يتساءلون كيف سيتاح لهم أن يتزوجوا، وكيف سيتمكنون من شراء مساكن، وما هو المستقبل الذي ينتظرهم.

أما على الصعيد الآخر، أي على مستوى الأحلام المؤجلة فالبعض يرغب في الوصول إلى وظائف أعلى مثل العمل في مجال الطيران أو الفلك مثلا كما يقول أحمد (18 عاما) لكنه يستدرك فيقول: "وهذا ليس أمرا سهلا.. إذا حصلت على البطاقة الخضراء أي الاقامة في امريكا يمكنني تحقيق ذلك، بهذه الطريقة ساصبح مسؤولا عن نفسي، وعن مسار حياتي".

هذا الطموح في العيش والعمل في الخارج يشترك فيه الكثيرون.

وهناك مجلة متخصصة في مشاكل الشباب في مصر أنشأت ما تقول إنه "برلمان" خاص للشباب للتعبير عن آرائهم وعن الجوانب التي تسبب لهم الاحباط.

لكن في هذا البلد لا توجد بالفعل فرصة أمام الشباب للتعبير عن آرائهم.

لا أحد يشجعهم على التفكير بطريقة نقدية والتعبير عن آرائهم بحرية، فالحقيقة أن هذا البلد رغم كل ما يقال، هو بلد يحكمه حزب واحد، ولحرية التعبير فيه حدودها.

يلقي الكثيرون باللوم على الحكام العرب في تراجع برامج التنمية وتلاشي الفرص امام الشباب، ويقولون إن الحكام يهتمون بمصالحهم الخاصة وبالحفاظ على وجودهم في الحكم أكثر مما يهتمون بحل مشاكل المجتمع.

وإلى أن تصبح الحكومات العربية أكثر انفتاحا وتبدأ في الاهتمام الحقيقي بالخدمات الصحسة وتوفير التعليم والاسكان المناسب، سيظل الشباب العربي يشعرون بالإحباط والغربة في وطنهم.