هل يتمكن العراقيون من تجاوز الانقسام الطائفي؟

وزير الخارجية العراقي يتفقد الدمار الذي احدثه هجوم الاربعاء الماضي لمقر وزارته
Image caption وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري يتفقد الدمار الذي احدثه هجوم الاربعاء لمقر وزارته

هل يعتبر قرار الرئيس الامريكي باراك اوباما بسحب قواته من العراق قرارا واقعيا في ظل العنف المتصاعد والتخبط السياسي الذي تشهده البلاد في الوقت الراهن؟

الوقت يمضي. فمن المقرر ان تنسحب كافة الوحدات الامريكية المقاتلة من العراق بحلول شهر اغسطس/آب 2010، اما البقية الباقية فستغادر العراق قبل نهاية العام التالي 2011.

هذا على الاقل هو ما تنص عليه خطة اوباما، وهو ما ايده الناخبون الامريكيون الذين صوتوا له وانتخبوه رئيسا لهم.

ولكن هل تملك الحكومة العراقية الحالية القدرة على ادارة البلاد والاضطلاع بالمسؤولية الامنية فيها في حال انسحب الامريكيون؟

يقول انس التكريتي، وهو ناشط اسلامي عراقي، إن "العراق اليوم يقف في منتصف الطريق بين الانهيار التام والعودة للحياة من جديد."

وتشير اقوال السياسيين العراقيين الى ان ابناء الشعب العراقي يريدون خروج الامريكيين من بلادهم، ولكنهم لا يعلمون ما الذي قد يحصل في حال خروجهم.

سياسة ذات نمط جديد

العراق مقبل على انتخابات نيابية جديدة في شهر يناير/كانون الثاني المقبل. وبالرغم من ان خمسة شهور ما زالت تفصلنا عن ذلك الموعد، فإن السياسيين العراقيين ما فتئوا يستعدون لها ويتصرفون على اساسها.

تقول رند رحيم فرانكي، سفيرة العراق السابقة في واشنطن، إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من الانتخابات المحلية الاخيرة التي جرت في يناير الماضي هو ان الناخبين العراقيين قد سئموا سياسات المحاصصة الطائفية التي سادت منذ الاحتلال الامريكي.

وتعتقد السفيرة الامريكية السابقة ان الاحزاب السياسية الطائفية - السنية منها والشيعية - تعلم بتغير مزاج جمهور الناخبين، ولكنها "لا تستطيع كسر اغلال السياسات الطائفية التي تكبلها."

فالوطنية العراقية هي التي اصبحت المعيار الذي يقيم من خلاله العراقيون صلاحية قادتهم، وكان من اوائل الذين تيقنوا الى هذه الحقيقة رئيس الوزراء الحالي نوري كامل المالكي.

فالمالكي، الذي قضى جل حياته السياسية كسياسي اسلامي شيعي، قد نجح في اعادة تصوير نفسه كقائد وطني، ويريد استثمار هذه الصورة الجديدة في انتخابات يناير المقبل.

إسفين

ولكن مهما اراد الناخبون، فإن الانقسامات الطائفية والاثنية (بين العرب والاكراد من جهة والسنة والشيعة من جهة اخرى) باقية، وستستغلها الجماعات المتطرفة لدق اسفين بين مكونات الشعب العراقي المختلفة في الفترة المؤدية الى الانتخابات.

فالتفجيرات الكبيرة التي شهدتها العاصمة بغداد ومدينة الموصل الشمالية مؤخرا يعتقد انها كانت من تدبير "تنظيم القاعدة" وغيره من التنظيمات المتطرفة شجعهم في ذلك انسحاب القوات الامريكية من المدن العراقية في يونيو/حزيران المنصرم وتسليم المسؤولية الامنية للقوات العراقية.

تقول الناشطة النسوية والنائبة في البرلمان العراقي عن مدينة الموصل ميسون الدملوجي إن سكان المدينة من السنة والشيعة والاكراد والتركمان والمسيحيين وغيرهم كانوا يعيشون معا بانسجام منذ امد بعيد.

ولكنها تضيف: "اما الآن، اصبح الناس يركنون الى خلفياتهم القبلية والاثنية والطائفية"، مما يخلق العديد من الحزازات والتوتر.

وبالرغم من وقوع الموصل - ذات الاغلبية العربية السنية - خارج المنطقة التي يعتبرها الاكراد اقليمهم شمالي العراق، فإن صراعا على السلطة ما لبث يدور فيها بين العراق والاكراد.

اما السياسي الكردي المخضرم محمود عثمان، فلا يرى حلا يسيرا في الافق للمشاكل الموجودة بين الاكراد من جهة وحكومة المالكي ببغداد من جهة اخرى.

ويمضي عثمان للقول إن "جيلا كاملا من الاكراد قد نشأ وترعرع دون ان تكون له اية علاقة ببغداد"، فهم يتكلمون الكردية لا العربية ويشعرون انهم اكراد اكثر منهم عراقيون.

افكار اوباما

فالانقسامات مستمرة بين العراقيين رغم ما يقال عن "عملية مصالحة"، واذا استمر العنف على وتيرته الحالية سيكون من العسير جدا رأب الصدوع بين مكونات الشعب العراقي.

يقول بعض المسؤولين الامريكيين إن الفئات العراقية المتناحرة لن تأخذ المصالحة مأخذ الجد ما لم تنسحب القوات الامريكية من العراق.

ولكن ميسون الدملوجي تصر على ان الانسحاب لوحده لن يكون كافيا، إذ تقول إن المصالحة لا تعني فقط تخفيف الاحتقان الطائفي بل "ادماج كل العراقيين في العملية السياسية" واضافة لذلك توفير فرص عمل للاجيال الشابة من رجال ونساء.

من جانبه، يعتقد محمود عثمان ان الرئيس اوباما ربما بدأ يفكر ثانية ببرنامجه للانسحاب من العراق.

اما انس التكريتي الاسلامي السني، فلا يثق بنوايا الامريكيين ويقول إن العراقيين فرحوا جدا عندما سمعوا اوباما يتعهد اثناء حملته الانتخابية بسحب الجنود الامريكيين من العراق ولكنهم سرعان ما اصيبوا بالقنوط عندما تبين لهم انه كان يتكلم عن انسحاب مرحلي فقط.

ولكن رند رحيم فرانكي تعتقد ان الانسحاب الامريكي سيتم في موعده ما لم تقع كارثة كبرى قد تؤخره.

وتقول إن التحدي الكبير الذي سيواجه العراقيين آنئذ هو كيفية التوصل الى صيغة متفق عليها للبلد الذي يريدون العيش في كنفه.