الإخوان المسلمون: نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة

مهدي عاكف
Image caption شهد عهد عاكف تركيزا على النشاط السياسي في عمل الجماعة

يبدو أن حملات الاعتقالات التي شنتها أجهزة الأمن المصرية ضد جماعة الإخوان المسلمين مؤخرا قد بدأت تأتي أكلها، فقد أدت إلي دخول الجماعة في عملية إعادة تقييم شاملة طبقا لمصدر رفيع بمكتب الإرشاد، وهو أعلى جهة تنظيمية بالجماعة.

وحسب ما ذكره المصدر لبي بي سي فقد تم التوصل إلي قرار داخل قيادات الجماعة بتقليص العمل السياسي في محاولة للتهدئة مع النظام المصري، بعد أن بات واضحا أن سياسة التصعيد التي ينتهجها النظام حاليا قد أضرت بالجماعة وقدرتها على البقاء "والاستمرار في تأدية رسالتيها الدعوية والتربوية".

وكشف عضو مكتب الارشاد عن أن الاعتقالات الأخيرة في صفوف الجماعة هي "ضربات أذكي من ذي قبل، فهي تتوجه إلي عناصر مفصلية داخل الجماعة تؤثر على استراتيجيتها في العمل".

وكانت جماعة الاخوان المسلمين قد تعرضت في الأسابيع الماضية لحملة من الاعتقالات الأمنية طالت قيادين من أمثال الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد بالاضافة إلي عشرات القيادات الوسطى في محافظات مصر المختلفة، "وهو ما كان له أثر بالغ على قدرة الحركة على العمل"، طبقا للمصدر الإخواني، "لأنها أضعفت حلقات الوصل بين قيادة الجماعة وكوادرها".

كما أن الأمر لم يتوقف عند الاعتقالات فقط كما يقول خبير الجماعات الاسلامية الدكتور عمار على حسن. فالاخوان يعانون حاليا من التضييق الاقتصادي والإعلامي كذلك، حيث تمت قبل فترة مصادرة عدة شركات يديرها أعضاء في الاخوان المسلمين، بالإضافة إلي تجنيد وسائل الاعلام التابعة للدولة وبعض الصحف المستقلة في حملات لتشويه صورة الجماعة.

تغير في المنهج

ويعد قرار الجماعة بالتخفيف من النشاط السياسي والتركيز بدلا من ذلك على العمل الدعوي، تغيرا في النهج الذي سلكه الاخوان المسلمون في السنوات الماضية، خاصة منذ تولي مهدي عاكف منصب المرشد العام للجماعة، كما يقول حسن.

فقد تزامن ذلك مع حالة الحراك التي شهدتها مصر منذ العام 2003، والتي انخرط أثناءها الاخوان في العمل السياسي العام بشكل كبير، فنظموا مظاهرات حاشدة للاحتجاج على الأوضاع في العراق والأراضي الفلسطينية، وصارت مواقفهم إزاء ملفات السياسة الداخلية في مصر أكثر جرأة، كما خاضوا انتخابات مجلس الشعب عام 2005 بعدد غير مسبوق من المرشحين.

إلا أن كل ذلك تسبب في استفزاز شديد للنظام المصري حسب قراءة مسؤولي الاخوان في الوقت الراهن. بل يبدو أن هناك حالة من الندم على الأقل داخل صفوف بعض قيادات الإخوان على تجربة انتخابات 2005، حيث يقول عضو مكتب الارشاد إن الحكومة المصرية اعتبرت فوز جماعة الاخوان بـ 20% من مقاعد مجلس الشعب في هذه الانتخابات تجاوزا للخطوط الحمراء، مضيفا أنه: "ربما كان أفضل لو كنا خضنا الانتخابات بعدد أقل من المرشحين".

إلا أن رغبة قيادة الإخوان المسلمين في التهدئة ستصطدم برغبة بعض الكوادر وخاصة من جيل الشباب في التصعيد مع النظام واللجوء إلي الشارع لتوصيل رسالة مفادها أن الإخوان لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام الحملات الأمنية.

لكن عضو مكتب الارشاد يستبعد هذا الخيار قائلا إنه طريق مسدود ومحفوف بالمخاطر، "فإذا أعتقلوا عشرة من الإخوان فخرجنا في تظاهرة من ألف شخص سيعتقلون مائة، فإذا صعدنا مرة أخرى وخرجنا في تظاهرة من عشرة آلاف شخص فسوف يعتقلون ألف."

"درء المفاسد"

ويستطرد المصدر قائلا إن رغبة الجماعة في التهدئة حاليا تستند إلي القاعدة الفقهية القائلة إن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، وأن الإخوان يفضلون تقليص دورهم السياسي مع الحفاظ على بنية الحركة وتماسكها.

ورغم أن القيادي الإخواني البارز لم يحدد بالضبط كيف سيترجم قرار التهدئة إلي خطوات عملية على الأرض إلا أنه أشار إلي إحتمال تأجيل الانتخابات الداخلية التي كانت الجماعة قد بدأت في إجرائها مؤخرا، لأن "إجراء الانتخابات الداخلية يمثل عنصر استفزاز للنظام المصري الذي لا يرغب في التعامل مع وجوه جديدة في القيادة"، حسب تعبيره. مضيفا أن هذه الانتخابات تحرج الحكومة كذلك لأنها "تظهر الممارسات الديمقراطية داخل الإخوان على عكس النظام الحاكم".

وكان الإخوان قد بدأوا في إجراء انتخابات داخلية لاختيار أعضاء مجلس شورى الجماعة – وهو ثاني أعلى جهة في الهرم التنظيمي للحركة – وكان من المقرر أن ينتخب مجلس الشورى الجديد خلال الأسابيع المقبلة مكتب إرشاد جديد ليختار المكتب بدوره مرشدا عاما جديدا خلفا للمرشد الحالي مهدي عاكف والذي تنتهي ولايته بنهاية العام الحالي.

ويرجح الدكتور عمار على حسن قيام الإخوان بعدة خطوات إضافية إذا قرروا المضي قدما في عملية التهدئة مع النظام. ومن بين هذه الاجراءات تخفيف لهجة التصريحات التي تدلي بها قيادات الإخوان، ومد جسور التفاهم مع رجال النظام على المستويين الوسيط والأدنى، وتوجيه أعضاء الحركة في البرلمان إلي تبني أسلوب أكثر هدوءا خلال العام المتبقي من عمر مجلس الشعب الحالي، وعدم خوض الانتخابات المقبلة بأعداد كبيرة.

ولعل قرار التهدئة لا يمثل مفاجأة كبيرة لمتابعي جماعة الإخوان المسلمين، فالهاجس الأكبر الذي يحكم عمل الإخوان كما يقول الخبراء هو قدرتهم على الاستمرار كحركة تهدف إلي تغيير المجتمع على المدى الطويل، وبالتالي يصبح "العمل السياسي المباشر مجرد تكتيك يمكن تغييره إذا دعت الضرورة، بينما يظل الحفاظ على تماسك الجماعة هو الاستراتيجية التي لا يمكن تغييرها"، كما يقول حسن.