شبح الماضي والنزاع الحالي في اليمن

سيارة عسكرية يمنية
Image caption الجيش اليمني يعتمد على تفوقه العسكري في العتاد في مواجهة المتمردين

تعود جذور النزاع المسلح الدائر حاليا في اليمن بين الحكومة من جهة، والمتمردين الشيعة من جهة أخرى، إلى سياسة الحرب الباردة التي تأثرت بها المنطقة خلال عقد الستينيات.

لقد تمكن ضباط الجيش اليمينيون بمساعدة من القوات المسلحة المصرية، من القضاء على حكم الإمامة في اليمن الذي امتد لألف عام، وقاموا بتأسيس الجمهورية العربية اليمنية.

واستولت القوات الجمهورية على العاصمة صنعاء في عام 1962 وهرب الامام البدر إلى منطقة الجبال في شمالي البلاد حيث أخذ يشن هجمات مضادة من تلك المنطقة التي لاتزال تشهد مواجهات مسلحة حتى اليوم.

وكما يحدث اليوم أيضا، استخدم الجيش اليمني القوات الجوية في حربه ضد المتمردين، كما اعتمد على تفوقه العسكري في المعدات الثقيلة، ورغم ذلك ظلت القوات الجمهورية عاجزة عن تحقيق النصر لمدة خمس سنوات.

وما يحدث اليوم من قصف جوي للمدنيين، وما تفيد التقارير وقوعه من احتجاز المتمردين رهائن من الجنود اليمنيين، واستعداد وكالات الاغاثة الدولية لنقل المعونات الانسانية عبر الحدود الشمالية من المملكة العربية السعودية، كل هذا يعيد إلى الاذهان أحداث الماضي في الستينيات.

وكما يحدث اليوم، أدى النزاع في السابق إلى خلق التوتر داخل اليمن بعد ان أصبحت السعودية والأردن تؤيدان القوات الموالية للإمام اليمني ضد القوات المصرية التي تحصنت في صنعاء.

الحرب "انتهت"

لقد تغير السياق الجغرافي -السياسي في القرن الحادي والعشرين، إلا أن التوتر الاقليمي مستمر في تغذية النزاع في اليمن.

وتشعر السعودية ذات الأغلبية السنية بالقلق من انتفاضة الشيعة على حدودها الجنوبية.

وتوجه الاتهامات إلى الشيعة في ايران بتأييد المتمردين في محافظة صعدة رغم أن الشيعة الزيديين في اليمن- الذين يتخذون اسمهم من الإمام الخامس زيد بن علي- يختلفون كثيرا عن الشيعة الإثنا عشريين في ايران.

وفي وقت من الأوقات اتهم الشيعة الزيديين في صعدة أيضا بتلقي دعم من ليبيا وحزب الله وتنظيم القاعدة، وأيضا من الأقلية اليهودية في اليمن.

مثل هذه الاتهامات، التي لا دليل عليها، استغلت لأسباب سياسية.

ففكرة التدخل الخارجي في اليمن تساهم في جذب الأنظار بعيدا عن العوامل الداخلية التي كانت وراء اشعال تلك الحرب العنيفة التي بدأت في 2004 بعد أن أدان المتمردون الحكومة اليمنية بسبب انحيازها للغرب في الحرب ضد الارهاب، ودعوا إلى حرية ممارسة الشعائر الدينية طبقا لتقاليدهم الخاصة.

ومنذ ذلك الحين توصلت الحكومة اليمنية إلى اتفاقات عدة فاشلة لوقف اطلاق النار، وفي يوليو/ تموز أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أثناء الاحتفال بمرور 30 سنة على الثورة اليمنية انتهاء الحرب في صعدة.

توازن ديني

غير أن التوتر الداخلي لم ينته وظل الشعور بالغضب يتصاعد لدى المتمردين مع كل دورة من دورات النزاع، مما أدى إلى دخول القبائل إلى النزاع.

وفي اليمن أغلبية سنية إلا أن الرئيس علي عبد الله صالح ينتمي لأصول من الشيعة الزيديين. لكنه لا يتمتع بلقب "السيد" الذي يتمتع به فقط المنحدرون من نسل النبي محمد عبر حفيديه الحسن والحسين.

وكان أئمة اليمن الذي حكموا البلاد مئات السنين يعتمدون تاريخيا في شرعيتهم على انتمائهم هذا إلى نسل الرسول. وتتمتع قبيلة الحوثي التي تقود التمرد حاليا بهذا الانتماء ويتمتع كبارها بلقب "السيد" رغم أن الحوثيين ينفون ما يتردد بشأن عزمهم اعادة نظام الإمامة إلى البلاد.

Image caption الرئيس اليمني أعلن أن "الحرب" انتهت في 2008

ويتهم المتمردون الرئيس علي عبد الله صالح باتباع سياسة "فرق تسد" عن طريق تشجيع المؤسسات السنية السلفية على حساب تقييد الأنشطة الخاصة بحركة الإحياء في أوساط الشيعة الزيديين.

إلا أن العوامل التي تبقي على اشتعال النزاع الدائر في صعدة أكثر تعقيدات من ذلك.

ويقول تقرير حديث صادر عن مجموعة الأزمات الدولية ICG إن النزاع الحالي أصبح "يغذي نفسه بنفسه مما أدى إلى بزوغ اقتصاد حرب".

وقد ساهمت أعمال النهب والتهريب وتجارة البشر والنزاعات القبلية واختطاف الأجانب في النظر إلى صعدة باعتبارها منطقة يغيب فيها القانون.

على الصعيد الوطني يعتبر اليمن منتجا للنفط إلا أن هذا الانتاج يتناقص، وتعاني الحكوم من قلة الموارد المالية.

وإلى جانب ما يجري في صعدة، تواجه الحكومة حركة انفصالية في جنوبي البلاد، كما تواجه خطر انتشار شبكات ارهابية.

ومما يلقي عبئا اضافيا على الاقتصاد اليمني الضعيف تدفق اعداد كبيرة من اللاجئين الصوماليين والازدياد الملحوظ في عدد السكان.

ويشعر جيران اليمن ودول الغرب حاليا بالقلق من احتمال انفصال اليمن الجنوبي عن الشمالي أو تفكك اليمن.

ويزيد سيناريو انهيار الدولة في اليمن من احتمالات التدخل الخارجي في تلك المنطقة الاستراتيجية.