قصة قرويين تُركوا وحيدين في معمعة التدافع على النفط

أندرو نورث بي بي سي_جنوب العراق

Image caption سكان قرية المزَّاك: أحلام محطمة بسبب إحجام شركة النفط الصينية عن توظيفهم في حقل النفط المجاور، بسبب عدم توافر الكفاءات الكافية لديهم

لقد دأب منتقدو الغزو الأمريكي للعراق قبل أكثر من ست سنوات خلت على القول إن الهدف النهائي لواشنطن هو السيطرة على احتياطي البلاد الهائل من النفط.

ولربما يكون الأمر من سخرية القدر أن تكون أول شركة نفط أجنبية تبدأ عمليات التنقيب في العراق منذ غزوه عام 2003 هي من البلد الذي تزداد حدة المنافسة بينه وبين الولايات المتحدة يوما بعد يوم: الصين.

3 مليارات

فبعد مضي عام واحد على توقيعها لصفقة مدتها 23 عاما وتبلغ قيمتها 3 مليارات دولار أمريكي لتطوير حقل الأحدب الصغير في محافظة واسط جنوبي بغداد، تمكنت شركة البترول الوطنية الصينية العملاقة (سي إن بي سي) من بدء عمليات إنتاج النفط في الحقل المذكور.

ولكن هنالك شعورا متناميا بالسخط وعدم الرضى في أوساط سكان قرية المزَّاك الواقعة في منطقة الأحرار، والمجاورة لحقل الأحدب، فهم يقولون إنه تم تجاهل مصالحهم خلال إبرام الصفقة المذكورة.

فالصفقة مع الصينيين تشكل الاختبار الأول لاستعداد العراق وجاهزيته لاستقبال واستضافة المخاوف الأجنبية المتعلقة بالنفط على أراضيه، لاسيما وأن جهات أجنبية عدة تتسابق وتتزاحم للوصول إلى ما يسميه وزير النفط العراقي، الدكتور حسين الشهرستاني "الجبهة الأخيرة" للاكتشافات النفطية الكبيرة.

مساعدة الشركات

ونظرا لاعتماد ميزانيتها على العائدات النفطية بشكل كامل تقريبا، فإن الحكومة العراقية تتوق لتدعيم إنتاجها من النفط، والذي بالكاد يصل الآن إلى المستوى الذي كان عليه قبل الغزو. ولذلك، فقد لجأت بغداد إلى الشركات الأجنبية لطلب المساعدة في هذا الأمر.

أما بالنسبة لهذه الشركات، فلم يكن هنالك ثمة فرصة كهذه خلال العقود الماضية. فالعراق يمتلك ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم، كما أن لديه إمكانية وجود العديد من الحقول النفطية التي لم يتم تطويرها واستثمارها بعد.

ومع وجود العديد من الشركات النفطية التي اعتادت على العمل في أماكن صعبة، فإن القليل منها سيردعه الوضع الأمني الهش ويثنيه عن مواصلة مغامرة العمل والاستثمار في العراق.

التحدي الأكبر

إلا أن التحدي الأكبر قد يخرج من بين أولئك العراقيين الذين يقطنون تلك المناطق المنتجة للنفط، وذلك كما يجد الصينيون الآن. فعملية التنقيب التي يقومون بها في حقل الأحدب تجري على تخوم قرية المزَّاك تلك.

يقول أبو عابد، أحد سكان القرية المذكورة، إن أعمال التنقيب تلك تجري تماما في الطرف العلوي من أرضه.

ويضيف أبو عابد متذمرا، بقوله إن بوسعه أن ينظر مباشرة من الباب الأمامي لمنزله ليرى الجدران الواقية من الانفجارات وأبراج الخرسانة التي تؤمن الحماية لمنصات التنقيب التابعة للشركة الصينية التي تستثمر حقل الأحدب.

ويردف بقوله: "عندما قمت بالاحتجاج على الأمر، قالوا لي إنهم سيدفعون تعويضات، ولكنني لم أتلقَّ أي شيء."

آمال كبيرة

وعندما وصلت الشركة الصينية إلى المنطقة، كان هنالك ثمة أمال كبيرة أيضا وسط السكان المحليين بأن الحظ سيبتسم لهم مع وجود "منجم جديد من الوظائف وفرص العمل" في منطقتهم.

يقول زاهي، وهو أحد وجهاء قرية المزَّاك: "كنا نعتقد بأن الكل سيجد عملا."

ولكن ما حدث هو أن القائمين على الشركة لم يوظفوا سوى حفنة صغيرة من سكان القرية، وذلك كحراس على المنشأة النفطية.

تقول الشركة الصينية إنه ما زال بوسعها تقديم شيء هو أكثر بقليل مما قدمته للسكان المحليين من قبل.

"آسفون"

ففي مقابلة مع بي بي سي، تحدث أحد المدراء المسؤولين عن الموقع في الشركة عن السكان المحليين قائلا: "نحن آسفون، فهم لا يمتلكون الخبرات ولا يتحدثون اللغة الإنكليزية."

ويضيف المسؤول، الذي وافق على إجراء المقابلة خارج الموقع، بقوله إنه من غير المسموح له أن يُدخل الصحفيين أو أي شخص آخر إلى داخل المنشأة.

وعلى الرغم من أن البعض يقول إن الصينيين ما زالوا موضع ترحيب في المنطقة، إلا ان المزاج العام قد تبدل وأصبح أكثر حدة وصعوبة.

فقد أفادت التقارير بوقوع العديد من أعمال التخريب في الموقع، بما في ذلك قطع خطوط الطاقة التي تغذي مجمعات ومعدات الحفر والتنقيب.

إجراءات أمنية

كما قامت الحكومة العراقية بدورها بزيادة الإجراءات الأمنية وتعزيزها في الموقع.

وبدورها، تقوم طائرات الهليوكبتر الأمريكية بالتحليق في المنطقة، إذ تنطلق من قاعدة عسكرية مجاورة من وقت إلى آخر بغرض مراقبة الوضع عن كثب.

وعودة إلى زاهي الذي يحذر من حدوث قلاقل واضطرابات في حال لم يبدأ سكان قريته برؤية منافع ملموسة عندما يتوسع المشروع وينتقل إلى مرحلة الإنتاج بكامل طاقته، إذ يقول: "قد يصبح الأشخاص الذين لا يجدون لهم عملا سرَّاقين ولصوصا."

وعلى الرغم من المليارات التي تلتزم الشركة الصينية بها، فالصفقة ليست سوى مجرد مشروع صغير بالنسبة لـ سي إن بي سي، وهي بمثابة دفعة أولى ترمي من خلالها إلى بناء علاقات وثيقة مع الحكومة العراقية.

صفقة قديمة

وفي الواقع تستند الصفقة الحالية على صفقة قديمة كانت الشركة ذاتها قد أبرمتها مع حكومة الرئيس العراقي السابق صدام حسين أواخر تسعينيات القرن الماضي، ولكن الطرفين لم يمضيا إلى أبعد من ذلك في تنفيذ العقد.

وسوف تذهب معظم كمية النفط ستنتجها الشركة من حقل الأحدب، والمتوقع أن تصل إلى 100 ألف برميل يوميا، إلى شركة طاقة محلية، وذلك أكثر من احتمال تصديرها إلى خارج البلاد، وبالتالي لا يُتوقع أن تحقق سي إن بي سي الكثير من الأرباح من الصفقة الحالية.

ومع ذلك، يبدو أن الاستراتيجية الحالية تسير بشكل حسن، فهناك جهود حثيثة لبلورة شروط اتفاق جديد يتعلق بإقامة مشروع مشترك مع شركة النفط البريطانية العملاقة بي بي للعمل في واحد من حقول النفط العراقية العملاقة، وهو حقل الرميلة الواقع بالقرب من مدينة البصرة الجنوبية.

تحلي بالصبر

ويقول الشهرستاني إنه يتعين على السكان المحليين في أماكن مثل المزَّاك أن يتحلوا بالصبر أكثر من ذلك، لكنه مع ذلك يصر على التأكيد بأن مصالح هؤلاء السكان لن تُنسى.

ويضيف بقوله: "نحن نصدر التعليمات إلى شركات النفط للمساعدة في شق الطرقات وإقامة الجسور وتنفيذ مشاريع البنى التحتية الأخرى، وذلك كجزء من الصفقات التي تبرمها الحكومة."

Image caption يسعى الصينيون إلى توطيد علاقاتهم الاقتصادية مع الحكومة العراقية

ويختم بالقول: "ولذلك، يشعر الناس أن تلك الشركات تتواجد في مناطقهم لتطورها، وليس لمجرد إنتاج النفط وأخذه بعيدا عن تلك المناطق."

سباق محموم

هذا ويتوقع المراقبون أن يشهد التنافس على نفط العراق سباقا وتدافعا محموما. لكن من المحتمل أن تكون عملية استخراج النفط هي الجزء الأيسر بالنسبة إلى الشركات الصينية والأجنبية الأخرى التي تتزاحم على الولوج إلى السوق العراقية.

بقي أخيرا أن نشير إلى أن هنالك طريقا معبدا وحيدا يؤدي إلى قرية المزَّاك ذات البيوت المكونة من طابق واحد وذات الجدران مشيدة من الطين.

وهنالك القلائل من سكان القرية ممن لديهم أي عمل ثابت، وبالكاد يوجد أي كهرباء أو تمديدات لمياه الشرب في منازل القرية.

ونختتم بكلمات خرجت على لسان أحد رجال القرية، حيث يقول: "إن الحياة هي ذاتها، تماما كما كانت في زمن صدام."