دبي: مشاهد من واقع بعد الصدمة

دبي
Image caption توقفت كثير من المشروعات الانشائية في دبي، لكن ايضا تمت اطلاق مترو دبي

لا حديث للناس في دبي الا عن الازمة الاقتصادية، الازمة الصدمة. يشترك في ذلك كبار الشخصيات المالية والاقتصادية والناس العاديون الذين التقيت بهم في مراكز التسوق او في المؤسسات الاعلامية والتنموية، ويشترك أيضا ابناء دبي والوافدون اليها للعمل والاقامة.

ما يلفت الانتباه ان الجميع او الغالبية يميلون الى التفاؤل بشأن الغد وبان مستقبل دبي سيكون جيد،ا بل ان البعض يعتب واحيانا يغضب من رنة التشاؤم بان الحلم انهار - كما قيل في دبي - وان الامور تتردي الي الاسوا.

واسر لي البعض بان هناك نوعا من التشفي وربما الشماتة او استعجال فشل ما يرونه النموذجّ الذي تقدمه دبي بما في جعبتها من رؤى مبدعة للمستقبل وقدرة علي ترجمتها على ارض الواقع ثم يتبعه اخرون في المنطقة ويطبقون نفس النموذج فان نجح فلهم الفضل وان كان غير ذلك فاللوم علي دبي.

هذه الامارة الصغيرة من خلال مشاهداتي ولقاءاتي العديدة في غير موقع منها استطيع ان اقول وفي رؤية من الداخل انها في نظر الموجودين على ارضها تمثل تجربة ونموذجا يجب ان يبقي وان يتواصل. فالكل هنا تربطه به علاقة وهي في الاساس علاقة استفادة وتعايش واستمتاع بالوجود في هذه البقعة االصغيرة في العالم التي جذبت استثمارات بالميارات.

وقد سالت اكثر من خبير هنا: ماذا تقدم دبي بما يجعلها تختلف عن جيرانها فهي تشترك معهم في نفس المناخ القائظ في الصيف ونفس الخلفية الثقافية والاجتماعية؟

قرية جليدية

وكانت الاجابة انها تقدم قرية جليدية كاملة وبها ما يعتبرونه اطول مسار للتزلج علي الجليد في العالم ويمكن للسائح - ويا للمفارقة - ان يصيف في دبي ويحجز شاليهات مطلة على هذا الموقع الجليدي الساحر بينما الحرارة اللافحة في الخارج تتعدي الخمس والاربعين درج.

وتقدم دبي ايضا كما يرى الخبراء الاقتصاديون والسياحيون رحلات السفاري عبر الصحراء ومتعة التسوق في مراكز تسوق تجارية فخمة تختصر العالم هنا في كل الاسماء والماركات العالمية.

والمفارقة ان صديقا اماراتيا قال لي انه يندر ان تجد في هذه المراكز الهائلة محال لتجارة الازياء التقليدية للرجال كالدشداشة والعقال وان عليه ان يتوجه الي بعض المحال الخاصة ليقدم لهم قطع القماش ليتم حياكتها على المقاس وانه ليس من الوجاهة الاجتماعية ان تشتريها جاهزة.

وفوق كل ذلك فدبي تقدم سياحة فندقية تجعل الابصار تشخص امام طرز الفنادق الشاهقة المتنوعة التي تحتاج ربما ان نفرد لها حديثا خاصا.

قال لي اديب واعلامي سعودي اختار العيش في دبي منذ ثماني سنوات لانها اكثر انفتاحا وملائمة لممارسة نمط الحياة المتحرر نسبيا له عن بلاده الاصلية، انه لو هبطت بك الطائرة في احد هذه الفنادق سواء اتلانتس او برج العرب او ميراج في حي الجميرة الفاخر فلن تتصور الا انك على سواحل اسبانبا او جزر الكناري او الريفيرا او اي منتجع دولي عالمي.

الأزمة طالت كل شيء

لا ينكر احد ان الازمة طالت كل شيء هنا وطبعا قطاع الاعمار والعقارات الذي وصل الحال فيه الى الاسوا ربما مع نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي حتى ان صاحب شركة عقارية باكستانيا قال لي ان المعدل وصل الى ما تحت الصفر وانه الان يستبشر خيرا بوصوله الى الصفر لان ذلك يعني ان المؤشر يحقق تقدما ولو طفيفا .

وفي مجال الانشاءات فان العمل يبدو متباطئا في كثير من المواقع وربما توقف في بعضها، ولكن هناك رايا اقتصاديا ان الفورة غير المحسوبة في تدفق الاستثمارات بشكل غير محسوب وجارف كان لا بد لها من فرملة او كوابح تعيد ترتيب الاوراق وان التباطؤ الحادث وان كان تراجعا فهو حميد ومطلوب ايض.

الشائعات التي طاردت دبي كثيرة خاصة عن رجال اعمال انطلقوا بسياراتهم تركوها في ساحة المطار تاركين كل شيء وراءهم بما يوحي بمشهد الفرار من السفينة الغارقة وان دبي اصبحت منطقة طاردة لمن فيها لاجاذبة لهم.

الخبير الاقتصادي خالد بن زايد ال نهيان - وهو ليس نجل الشيخ زايد رئيس دولة الامارات الراحل - ومن اوراق معه واحصاءات كلها بالانجليزية ومن جهات بحث قامت مؤسسته بتمويلها، اوضح لي بالارقام ارتفاع عدد الطلاب المسجلين ببضعة الاف - من ابناء الجالية الهندية - في المدارس في دبي في الربع الاول من العام وفي عز الازمة وهو ما يؤكد استمرار هؤلاء مع عائلاتهم في الاقامة هنا.

ما في خوف

اخرون ممن يعملون هنا يسرون اليك بالمعاناة من ارتفاع الاسعار وخفض او تجميد المرتبات واصرار بعض الازواج الي البقاء وحيدا في دبي وعودة الزوجة والابناء الي بلادهم توفيرا للنفقات.

مشهد ملتبس اذن ومتغير الزوايا والرؤى اني نظرت اليه ولا ادري لماذا تذكرت كلمات سائق تاكسي هندي امطرته بالاسئلة عن الازمة وظروفها وبعد اقراره بانها كانت في اسوا مراحلها في الشهور الاولى من العام هز راسه علي الطريقة الهندية هنا التي تحيرك فهي تعني نعم ولا. ايضا قال : ما في خوف.

لكن رحلتي الي دبي تزامنت مع اواخر شهر رمضان المبارك، حيث الاجواء الرمضانية الخاصة: الافطار والموائد المفعمة بما لذ وطاب وما تنتجه من رؤية مختلفة للدنيا بعد الافطار عندما يذهب الظما وتبتل العروق، ما يجعل المرء يتساءل بين طعم واخر وحلوى واخرى وتمرة واخرى ومشروب طبيعي للفواكه واخر: أين الازمة المالية!

المزيد حول هذه القصة