تركيا والدبلوماسية المزدوجة: اسلامية ام اوروبية

مظاهرات تركية ضد اسرائيل
Image caption مظاهرات الاتراك مستمرة احتجاجا على ممارسات اسرائيل بحق الفلسطينيين

تصاعدت في الاونة الاخيرة حدة المواقف التركية المناوئة لاسرائيل والمواقف الغربية في قضايا الشرق الاوسط الساخنة.

وبدا كثيرون في الغرب يتحدثون عن تحول في السياسة الخارجية التركية يعكس اسلامية الدولة اكثر من ليبراليتها ويبعدها عن اوروبا ويقربها من انظمة وجماعات اسلامية في المنطقة.

وتحمل كل التحليلات سمة اساسية هي ان حزب العدالة والتنمية الحاكم، ذا التوجه الاسلامي، لم يعد مقتنعا استراتجيا بفكرة انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي.

وان الحزب يأخذ تركيا العلمانية اكثر نحو الانظمة ذات الصبغة الاسلامية في المنطقة، على عكس اسس الدولة التي بناها كمال اتاتورك بداية القرن الماضي.

فورات محسوبة

بدأت الخطوات التركية البارزة فيما يوصف بالتحول الدبلوماسي مع الحرب الاسرائيلية على غزة التي كان الخطاب التركي خلالها اشد انتقادا لاسرائيل من بعض الدول العربية.

ووقتها وصف رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان الحرب على غزة بانها تشبه "معسكرات الاعتقال" في اشارة لحملة الابادة النازية لليهود.

Image caption ليست انتقادات رئيس الوزراء التركي لاسرائيل والغرب مجرد فورات غضب غير محسوبة

وقبلها وصف كبار السمؤولين الاتراك القصف الامريكي للفلوجة في العراق عام 2004 بانه "ابادة جماعية".

ثم جاءت الحركة الاعلامية الشهيرة باندفاع اردوغان منسحبا من جلسة في منتدى دافوس بسويسرا في يناير/كانون الثاني شاركه فيها على المنصة الرئيس الاسرائيلي وامين عام الجامعة العربية.

وثار اردوغان غاضبا في وجه شيمون بيريز قائلا: "انكم تعرفون جيدا كيف تقتلون الاطفال"، وهم عمرو موسى بالمغادرة لكنه اكمل الجلسة مع بيريز.

وخرج الالاف من الاتراك يهتفون لاردوغان حتى استقبلوا طائرته عائدا من دافوس.

وحاول البعض تفسير تصرف اردوغان، الذي يرأس حزب العدالة والتنمية الحاكم، بانه فورة غضب، لكن تبدو تلك الفورات محسوبة كما اتضح من توجه الدبلوماسية التركية فيما بعد.

تغيير الدور

توضح الاحداث المتسارعة في الاسابيع الاخيرة ان التوجه التركي ليس مجرد فورة غضب، بل دبلوماسية مزدوجة تستهدف البحث عن دور اقليمي تركي في اطار خارج السياسات الغربية.

فتركيا التي عهدت اليها اسرائيل برعاية محادثاتها غير المباشرة مع السوريين العام الماضي منعت اسرائيل من المشاركة في مناورات نسر الاناضول التي تجري سنويا منذ التسعينات بمشاركة امريكا ودول حلف الاطلسي.

ولم تستجب انقرة لطلب اسرائيلي بوقف مسلسل في التلفزيون الرسمي يصور جنودا اسرائيليين يقتلون اطفالا فلسطينيين.

ويستعد اردوغان لزيارة ايران ويدافع عن برنامجها النووي مؤكدا ان غرضه سلمي كما تقول طهران.

وبعد الغاء مشاركة اسرائيل في المناورات، دعت تركيا سورية لمناورات مشتركة واقامت مجلس تعاون استراتيجي مع دمشق.

ويبدو كل ذلك تحولا في استراتيجية تركيا التي تحالفت مع الغرب منذ عام 1946 حتى انها ارسلت قوات ضمن حلف شمال الاطلسي الى كوريا، وعززت علاقتها باسرائيل باعتبارها الاقرب اليها من الانظمة العربية.

تفسيران

لكن ذلك التحول لم يبدأ مع تولي حزب العدالة والتنمية للسلطة عام 2002، فلماذا الان اذا؟

هناك تفسيران لذلك التحول، احدهما يرجعه الى استجابة برجماتية من الحزب الحاكم لتغير المزاج الشعبي التركي تعزيزا لقاعدة الحزب الجماهيرية.

والاخر يرجعه الى تعنت اوروبي تجاه محاولات تركيا الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، خاصة من جانب فرنسا والمانيا.

وكان كثيرون يراهنون على ان انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي سيعزز الطبيعة العلمانية للدولة التركية ويضرب نموذجا للدول الاسلامية الراغبة في تعاون اوثق مع الغرب.

لكن الشروط التي وضعت امام انضمام تركيا تطلبت اصلاحات جذرية يصعب على انقرة تنفيذها، ولم تسفر جولات المحادثات الممتدة عن شيء حتى الان.

وانعكس ذلك على تطلعات الراي العام التركي، فمقابل 80 في المئة من الاتراك كانوا يرغبون في انضمام بلدهم للاتحاد الاوروبي عام 2002 لم تزد النسبة عن الثلث العام الماضي.

يرجع البعض ذلك الى لغة الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية، لكن يبدو ان الحزب استغل تغير المزاج لتعزيز مكانته اكثر من كونه شكل ذلك المزاج.

وينطبق ذلك ايضا على التفسير الاول، اذ تلقف الحزب الحاكم توجه الجماهير التركية وبنى عليه معززا قاعدة مؤيديه.

وفي اطار التحول في الدبلوماسية والعلاقات الخارجية، وجه الحزب الحاكم اكثر من ضربة للتيار العلماني ممثلا في العسكر.

ولا يخلو التوجه الاخير من بعض فائدة غير تعزيز المكانة الشعبية في الداخل، اذ تتطلع تركيا لاستثمارات اسلامية في وقت يعاني فيه الغرب من ازمة طاحنة لا تساعد في تمويل خطط التنمية التركية.