لبنان: حكومة جديدة ولكن هل هناك فعلا حاجة لها؟

بعد اشهر من المفاوضات الشاقة حصل لبنان على حكومة وحدة وطنية جديدة تضم مختلف القوى السياسية، ولكن ما الذي يشعره اللبنانيون حيال كل ذلك؟ هذا ما تحاول مراسلة بي بي سي في بيروت تسليط الضوء عليه.

بيروت تعاني من السيول في الشوارع في موسم الامطار

فجأة، اصبح الضجيج لا يطاق. ها هم عشرات السائقين يطلقون ابواق سياراتهم ويؤشرون بأيديهم من خارج الشبابيك للذين امامهم لافساح الطريق.

اما سائق التاكسي الذي يقلني فقال وهو يؤشر الى شخص واقف وسط الطريق: "كل شيء بسببه".

حاولت معرفة من هو هذا الشخص فوجدته بين بحر من السيارات، رجل نحيل يرتدي بزة شرطة اكبر من مقاسه.

يقف الشرطي وسط هذه الفوضى، ويحاول ان يوجه السائقين لكن المشكلة هي انه يوجه الجميع في الوقت نفسه.

لاحظ ذلك سائقي مرة اخرى فقال: "انه هو، لقد افتعل كل هذه الزحمة، لماذا لا يهتم بشؤونه ولا يتدخل بما لا يعنيه"؟

لم يخطر ببال سائقي ان تنظيم السير يعني الشرطي وهو شأنه الاول.

اذا سألنا ايا كان في بيروت عن سبب زحمة السير الخانقة فهناك امكانية كبيرة بأن يلقى اللوم على شرطي السير.

بالطبع فهذا الامر لا يصح دائما، ولكنه يعبر عن الطريقة التي ينظر بها اللبنانيون الى مبدأ السلطة.

وفي هذا السياق قال لي احد اصدقائي اللبنانيين: "افضل ما يمكن ان تفعله لي الحكومة هي ان تبقى خارج حياتي قدر الامكان".

ولكن ما ورد على لسان صديقي ليس بالامر الغريب في بلد تسبب فيه السياسيون بازمات سياسية مستعصية بشكل متقطع على مر عشرات السنين.

اما الازمة الاخيرة التي طالت لمدة 5 اشهر قبل ان تحل بتشكيل حكومة ضمت مختلف الخصوم السياسيين، فانتهت بتقاسمهم الحقائب الوزارية.

في لبنان الذي طالما انعكست فيه الازمات السياسية اضطرابات امنية، تنفس المواطنون الصعداء لدى رؤية حكومتهم تتشكل.

شلل سياسي

ولكن الكثيرين، ومنهم فارتان، صاحب الدكان الذي اتبضع منه لا يأبهون. "ما الفرق؟" يقول فارتان قبل ان يضيف: "سنستمر في حياتنا بينما يستمرون بشجاراتهم".

Image caption الاجتماع الاول للحكومة اللبنانية

في لبنان لم تتغير الامور كثيرا منذ الحرب الاهلية التي امتدت بين عامي 1975 و 1990، فامراء هذه الحرب اصبحوا الآن كبار السياسيين ولا يزالون يستقطبون الشباب ويجندونهم في ما يشبه ميليشيات خاصة.

بالاضافة الى ذلك، لا تزال بعض المباني غير المرممة في بيروت تذكر بالحرب بالاضافة الى استمرار غياب شبكة للمواصلات العامة والانقطاع اليومي للتيار الكهربائي، كما ان في بعض الاحياء هناك انقطاع كبير في امدادات المياه.

قد تتبجح بيروت بحداثة مراكز تسوقها التي باتت تعرف بها، الا ان شوارعها لا تقوى على تحمل ابسط الامور كتغير الطقس، اذ تتحول مع بدء موسم الامطار الى انهر وسواقي.

وفي هذا السياق قال لي احد الاصدقاء ساخرا: "تحسين شبكة تصريف المياه يصب في خانة المصلحة العامة، ونحن هنا لا تهمنا المصلحة العامة".

مجتمع قبلي

واضاف صديقي: "خلف التطور المدني والثقافي لبيروت، يختبئ مجتمع قبلي حقيقي يتناحر قادته لحماية مصالحهم ومصالح طوائفهم ومجتمعاتهم لا لحماية الامة ككل، ففي لبنان، ينتمي الانسان في البداية الى طائفته، ومن بعدها يأتي انتماؤه للوطن، فالطائفة تسبق الوطن".

من زار لبنان في الاشهر الخمسة الاخيرة لا يلاحظ ابدا ان البلد يعيش ازمة سياسية، فالحياة مستمرة بشكل اكثر من طبيعي.

مع مرور السنين، وبسبب الحاجة، ابتكر اللبنانيون سبلا تسهل حياتهم دون الاتكال على الدولة في عدة مجالات.

فلدى انقطاع الكهرباء، تدور المولدات الكهربائية الكبيرة الخاصة التي تغذي كل حي بحيه، ولدى انقطاع المياه يشتري المواطنون مياها توصلها اليهم صهاريج تملأ خزاناتهم على السطوح، حتى ان القمامة في بيروت، تجمعها شركة خاصة.

يشار الى ان القطاع الخاص في لبنان يعمل بازدهار الى حد يجعل الكثيرين من اللبنانيين يقولون انهم لا يحتاجون لاي حكومة.

ولكن اللبنانيين الذي يبلون بلاء حسنا في تسيير امورهم، يصطدمون بواقع الاهتمام ببلدهم الذي يبدو كرهان صعب وشاق.

عالقون

ففي بعض المناطق الواقعة على الساحل اللبناني تتكوم جبال من القمامة، وغابة الارز التاريخية التي ترمز الى لبنان تموت ببطء، وبالاضافة الى ذلك لا يملك احد القدرة على كبح البناء الذي يجتاح ويمحو في بعض الاحيان مبان بيروتية اثرية.

Image caption سعد الحريري تمكن من تشكيل حكومة بعد 5 اشهر من المفاوضات

وعلى الرغم من صلابة المواطن اللبناني وشخصيته المرحة، فانه يتأثر الى حد بعيد جدا بالازمات السياسية المستمرة.

وقال لي صديق آخر في هذا السياق: "لقد اعتدنا على ان نعيش كل يوم بيومه ولكن المشكلة التي تنتج عن ذلك هي اننا نبقى عالقين في الحاضر دون ان نعرف ما الذي سيحصل في الايام والاشهر المقبلة ودون ان نتمكن من التخطيط على الامد الطويل لمستقبلنا ومستقبل اطفالنا".

ويختم الصديق بالقول: "النظام لا يزال هو هو، وببساطة انه غير ناجح ولا يعمل".