30 عاما على حصار الحرم المكي

مكة
Image caption أحداث احتلال الحرم ساهمت في خلق مزاج سياسي كئيب جنح نحو تشدد أكبر

تمر اليوم الجمعة 20 نوفمبر/ تشرين الثاني الذكرى الثلاثين لعملية حصار الحرم المكي التي استولى فيها المئات من المسلحين المتطرفين بقيادة جهيمان العتيبي على المسجد الحرام في مكة على مدى اسبوعين في عام 1979.

وقد مثلت تلك الحادثة مفصلا مهما في تاريخ نشاط المجموعات الاسلامية، فالى جانب المكانة الروحية للمسجد المكي في الدين الاسلامي والعدد الكبير للقتلى، ينظر اليها الباحثون في تاريخ الحركات الاسلامية باعتبارها بداية لعمل جماعات العمل المسلح الاسلامية الدولية.

فمن جانبه قال ياروسلاف تروفيموف، الصحفي الايطالي الذي نشر كتابا متخصصا حول حادثة حصار الحرم في حديث لبي بي سي "انها المرة الاولى التي تظهر فيها جماعة "اسلامية" دولية للعمل بشكل مسلح".

واضاف في اتصال هاتفي ان جماعة جهيمان العتيبي ضمت مقاتلين من عناصر الجماعة الاسلامية في مصر واشخاص من باكستان والسودان ولبنان وشخصين امريكيين.

جهيمان تحول الى تاريخ

ومن جانبه قال الدكتور خالد الدخيل، استاذ العلوم السياسية السعودي ان الحادثة لها اهمية تاريخية حيث دشنت الاعمال "الارهابية" في المجتمع.

الا الدكتور الدخيل يضيف ان جهيمان "لا يمثل مرجعية لاحد داخل هذه الجماعات في الوقت الراهن وذلك نتيجة لبشاعة العمل الذي ارتكبه بحمل السلاح واراقة الدماء في الحرم المكي".

وقال ان جهيمان "اصبح تاريخا" خصوصا ان الحكومة السعودية تبنت الكثير من البرامج المحافظة في مجالات الاعلام والتعليم سحبت الغطاء عن تلك الجماعة المتطرفة.

ورأى ان "الحكومة طبقت برنامج جهيمان" ما ساهم في خبوت موجة المطالبات لحين حدوث الغزو العراقي للكويت ووصول القوات الامريكية والتي تبعتها اعتراضات واسعة" من الاسلاميين السعوديين والتي كانت الذريعة لتشكيل تيار متشدد جديد.

واضاف ان الانعطافة المعاكسة جاءت مع 11 سبتمبر/ ايلول 2001 عندما نتج عنها مراجعة لمناهج التعليم واعطاء مساحة اوسع للمرأة وتبعها اصلاح للجهاز القضائي وصولا لمطالبات ونقاشات مفتوحة حاليا لاعادة النظر في مفهوم الاختلاط بين الرجل والمرأة.

اما منصور النقيدان، الباحث السعودي في تاريخ الحركات الاسلامية فيقول إن أحداث احتلال الحرم ساهمت في خلق مزاج سياسي كئيب جنح نحو تشدد أكبر ترافق ذلك مع تنامي خطر الثورة الخمينية الشيعية، ومشاركة الرعيل الأول من السعوديين في الجهاد الأفغاني، إذن حدث مايمكن تسميته بـ(توبة السلطان).

واضاف "على خلاف مايُشاع فإن بعض القرارات التي أصدرتها وزارة الداخلية قبل احتلال الحرم بشهور كانت تصب في صالح المحافظة مثل قرار وجوب تقيد الممرضات في المستشفيات باللباس المحتشم، وكانت الصحافة السعودية وبعض الندوات في التليفزيون والراديو تتناول بعض مظاهر التفسخ والانحلال وتطالب بإجراءات أكثر تشدداَ".

واشار في تصريح لبي بي سي ان هذا كان يحصل قبل أحداث 1979 بسنوات، مضيفا بأن علماء الدين السعوديين كان لديهم فتاوى تعلن عدم رضاها عن العادات الدخيلة والتحول الكبير على سلوك المجتمع.

تجاهل اعلامي

يلاحظ المراقب ان الصحافة السعودية لم تأتي على ذكر لمرور 30 عاما على حادثة الحرم المكي وهو ما فسره منصور النقيدان انه استمرار للرغبة في عدم التطرق لهذه الحادثة.

واشار النقيدان "بعد تنفيذ حكم الإعدام بمن شاركوا في الاحتلال، أسدل الإعلام السعودي ستار الصمت على تلك الحادثة وكان ذكر اسم جهيمان من المحرمات".

الا انه اشار الى انه وبعد قيام أربعة أشخاص بتفجير إرهابي في العاصمة الرياض نوفمبر1995 انتصر السعوديون على أنفسهم ولامسوا الجرح، فكتب حسن المالكي وهو باحث في الفكر السلفي في صحيفة الرياض عن فتنة احتلال الحرم وجهيمان العتيبي والأسباب التي دفعت إلى ذلك، كانت بداية فصول قصة من التمدد العالمي للقاعدة والفكر الجهادي السلفي، مساوقاً لهذا كله كانت جماعة جهيمان تحظى مع الزمن بمنافحين من جيل لم يعش تلك الفترة، وبدلاً من انتقاده تحول جهيمان إلى إيقونة .

يشار الى انه ومنذ 2002 نشرت الصحافة السعودية عشرات المقالات عن احتلال الحرم. ولكن التليفزيون الرسمي لم يزل يتفادى ذكر هذا الحادث إلا في إشارات خاطفة.

نظرة تاريخية

يشار الى ان الحادثة انطلقت صباح 20 نوفمر/تشرين الثاني 1979، عندما دخل جهيمان العتيبي مصحوبا بمئات المناصرين قدرتهم عدة مصادر باكثر من مئتي شخص جاؤوا من اكثر من 10 دول.

وينتمي جهيمان والعشرات من جماعته، حسب النقيدان، إلى مدرسة أهل الحديث، وهو من طلاب مفتي السعودية السابق عبدالعزيز بن باز وعالم الحديث السوري محمد ناصر الدين الألباني ازدادت صلة الجماعة بالألباني في السنوات الثلاث الأخيرة منذ 1976.

وقد وقف جهيمان والى جانبه افراد مجموعته وهو محمد عبد الله القحطاني، ليعلن أمام المصلين خروج المهدي الذي يعتقد المسلمون بانه سيظهر في اخر الزمان، وطلب من المتواجدين في المسجد المكي مبايعة القحطاني باعتباره المهدي المنتظر الواجب اتباعه.

وقد نجح جهيمان العتيبي واتباعه من السيطرة على المسجد المكي باستخدام اسلحة تم تهريبها الى داخل المسجد المكي ونجح في الاستمرار في المكان على مدى اسبوعين فيما يقدر عدد زوار المسجد الذين حوصروا في داخله في بداية الحادثة بمئة الف شخص.

وقد نفذت القوات السعودية عملية واسعة لاعادة السيطرة على المسجد والتي نجحت في نهايتها في الاستيلاء على الموقع وتحرير الرهائن في معركة تركت وراءها مئات القتلى.

وقد تمكنت القوات السعودية من أسر جهيمان العتيبي، وعدد من اتباعه ونفذ بحقهم حكم الإعدام في يناير/كانون الثاني 1980.

ويقول النقيدان "بعد عقدين من التناسي والتجاهل، أصبح جهيمان رمزاً ملهماً لمقاتلي القاعدة، وفي مايو 2003 عاشت السعودية سلسلة من التفجيرات قام بها جهاديون سعوديون، تضمنت أدبيات القاعدة وخصوصا مجلة (صوت الجهاد) وفي مواقع على الإنترنت مواضيع تمتدح جهيمان العتيبي وتدافع عنه".