مصر والجزائر..هل للأزمة فصول أخرى؟

إذا أردت التعرف على إتجاه الرأي العام المصري بخصوص قضية ما، استًقلْ سيارة تاكسي!..يشتهر غالبية سائقي التاكسي بإقبالهم على ما يسميه المصريون(الدردشة)، أي الحديث المفتوح حول شتى الموضوعات!

من المحاولة الأولى لإشارتي توقفت لي سيارتيّ تاكسي!..إخترت أحداها موقنا أن صاحبها سيساعدني في مهمتي!

كان العلم المصري مثبتا بجوار المرآة على الجانب الأيسر من السيارة. خمنت أن ذلك يُعد مدخلا مناسبا للدردشة حول تداعيات مبارة مصر والجزائرالأخيرة، التي تهدد بنشوب أزمة دبلوماسية بين البلدين.

أشرتُ إلى العلم وسألتً السائق: "هل ستبقيه طويلا على سيارتك ؟!"

Image caption مشجعون مصريون في القاهرة

أجاب على الفور بلهجة حماسية: "أكيد.. سيظل مرفوعا على الدوام، أمامنا بطولة الأمم الأفريقية وسنفوز بها إن شاء الله!"

مقارنة بالأيام التي سبقت مبارتي مصر مع الجزائر في الرابع عشر والثامن عشر من الشهر الجاري، تراجع عدد السيارات التي ترفع العلم، غير أن التجوال في أحياء القاهرة يكشف إحتفاظ الكثير من البنايات والمحال التجارية بالأعلام واللافتات التي تحمل عبارات التمني بفوز المنتخب المصري على نظيره الجزائري!

سألني السائق بدوره: "هل يرضيك ما فعله بنا الجزائريون في الخرطوم؟!"

لم ينتظر إجابتي..إسترسل بأريحية مضيفا: "لقد جهزوا منذ زمن لإعتداءاتهم على جمهورنا..أفرجت حكومتهم عن سجناء جنائيين وأرسلتهم على متن طائرات عسكرية لترهيبنا..أما حكومتنا فجعلت سعر رحلة السودان بخمسة آلاف جنيه للشخص..بالله عليك من يستطعْ دفعَ هذا المبلغ؟!"

Image caption مشجعة جزائرية رافقت منتخب بلادها الى الخرطوم

كان السائق يتحدث بلسان قطاع عريض من أنصار المنتخب المصري، الذين ينتقدون ما إعتبروه تقصيرا حكوميا تجاه الإستعداد لتلك المباراة، والنتيجة كما يقول هؤلاء أن الحكومة الجزائرية إستطاعت أن تحشد قرابة 20 ألف مشجع إمتلأ بهم ستاد أم درمان، وهو ما جعل المنتخب الجزائري يخوض المبارة وكأنها تجري في ستاد البليدة!

من السهل جدا أن تلمس الإحباط لدى غالبية المصريين منذ هزيمة منتخبهم القومي أمام الجزائر وضياع حلمهم في التأهل إلى مونديال جنوب أفريقيا..الأمر ذاته ينطبق على منْ يحاول التمسك بأمل الفوز ببطولة كأس أفريقيا القادمة، كحال سائق التاكسي الذي ودعني بعبارة: "هذا نصيبنا..قدر ومكتوب!"

اللافت في الساحة المصرية هو إستمرار الحملات الإعلامية التي تهاجم الجزائر حكومة وشعبا، وتُعددُ ما تصفه بالإعتداءات على المشجعين المصريين في الخرطوم وكذلك على مكاتب الشركات المصرية في الجزائر.

Image caption محتجون مصريون يحرقون علم الجزائر بالقاهرة

ورغم الإشارات الصادرة عن الرئيس المصري حسني مبارك بضبط النفس، إلا أن الصحف والقنوات الفضائية الحكومية والخاصة تواصل تغطيتها لما تسميه تورط جهات رسمية جزائرية في ما جرى، مشيرة بشكل خاص إلى السفير الجزائري لدى القاهرة ووزير الشباب ورئيس إتحاد الكرة وسعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري، فيما تحفل برامج "التوك شو" (البث المباشر) بمداخلات لمواطنين يطالبون بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الجزائر.

أما الأصوات التي تطالب بإستخدام الحكمة في معالجة الأزمة فيُقابل أصحابها بإنتقادات شديدة، كما حدث مع مجدي الدقاق القيادي في الحزب الوطني الحاكم الذي يطالب كثيرون بإقصائه عن منصبه كرئيس تحرير مجلة" أكتوبر" الحكومية الأسبوعية بسبب صدور العدد الأخير من المجلة بعنوان رئيسي يهنىء المنتخب الجزائري بالتأهل إلى المونديال!

وإستمرارا للدعم الرسمي للمنتخب المصري إستقبل الرئيس حسني مبارك لاعبي المنتخب وجهازه الفني ووجه إليهم الشكر، بينما تستعد هيئات ونقابات مهنية لتنظيم وقفات إحتجاجية ضد الحكومة الجزائرية وإعلان مقاطعتها لأي نشاطات تشارك فيها الجزائر.

وفي السياق ذاته يتردد في القاهرة أن الرئيس مبارك يرفض وساطات عربية لتهدئة الأجواء مع الجزائر،وأنه ينتظر إعتذارا علنيا من نظيره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، ليبقى السؤال الصعب عن المسار الذي ستسلكه العلاقات المصرية الجزائرية في المستقبل المنظور!