مصر: الخروج من تصفيات المونديال يعكس إحباطات الداخل

اجتاحت الاشتباكات وأعمال العنف شوارع العاصمة المصرية القاهرة في أعقاب خسارة المنتخب الوطني لكرة القدم لمباراة التأهل إلى مونديال كأس العالم المقبل، وذلك أمام نظيره الجزائري في السودان في الثامن عشر من الشهر الجاري.

Image caption الجباوي: ربما كانت كرة القدم هي شعاع النور الوحيد لدى ملايين المشجعين المصريين

مراسل بي بي سي، كريستيان فريزر، يرصد في التقرير التالي كيف أن فشل المصريين على أرض الملعب كشف عمق الإحباطات الموجودة داخل البلاد:

ليس بوسعك القول إن ساكني الحي الدبلوماسي في القاهرة ينعمون بحياة هادئة، ففي نهاية المطاف هذه هي رسميا المدينة الأكثر ضجيجا على وجه المعمورة.

جيب "راقي"

لكن جزيرة الزمالك، وهي تقع وسط نهر النيل، تكتسي مسحة تجعل منها جيبا "راقيا"، حيث تقع مجمعات السفارات التي ينتشر حولها حرَّاس الأمن، وترى الفلل والقصور الأنيقة المترامية الأطراف، ومطاعم السوشي ومحلات الحلويات الفرنسية.

وكان الأمر الذي ربما سبب صدمة للقاطنين في تلك المنطقة أكثر من أي شيء آخر هو أعمال العنف التي اندلعت في المكان في أعقاب هزيمة مصر في تصفيات التأهل لكأس العالم.

في صباح اليوم التالي لتلك الليلة التي لم تنم فيها المدينة، كانت تلك الأحداث هي حديث الناس في سوق عيد الميلاد (البازار) التابع للكنيسة الأنجليكانية، إذ طغى الموضوع على غيره من المواضيع الأخرى، بالنسبة لكل من المصريين والأجانب.

حشود غاضبة

لقد راح الناس يراقبون حشود الرجال المصريين وهم يندفعون غاضبين باتجاه مبنى السفارة الجزائرية، حيث اكتفى دور رجال الشرطة على مجرد إبداء نوع من المقاومة التي تكفي للحؤول دون انتهاك الجماهير لحرمة المجمَّع والقفز من فوق جدرانه.

وعلى مقربة من الموقع، قُلبت السيارات وهُشِّمت نوافذ المحلات التجارية من قبل أفراد العصابات المغيرة على طول أحد أكثر شوارع القاهرة ازدحاما، حيث بات السكان يخشون على أمنهم وسلامتهم.

وفي بلد تُقمع فيه المظاهرت ويجري تفريقها بشكل روتيني، حتى قبل أن تظهر أولى العلامات على بدء القلاقل والاضطرابات، كان اندلاع العنف هذه المرة أمرا يبعث على الدهشة.

شك وريبة

Image caption طالبت الحشود المصرية الغاضبة بطرد السفير الجزائري من مصر

وقد طالب السكان المحليون بمعرفة لماذا لم تتدخل الشرطة بسرعة أكبر، إذ ساورهم شك بأنه تم في الوهلة الأولى إصدار الأوامر لعناصر الشرطة لتوجيه أنظارهم إلى مكان آخر.

يقول أحد سكان الحي المذكور: "يناسب الحكومة أن يتوحد الناس حول كرة قدم، فالتركيز منصب الآن على الجزائر، الأمر الذي حوَّل اهتمام الشعب وصرف نظره عن المشاكل الحقيقية لمصر."

ربما اتسم ساسة الحزب الحاكم في مصر بالتشاؤم والسخرية والنزعة إلى الانتقاد، لكنهم بالتأكيد قد قاموا بصب الزيت على نار الحميَّة الوطنية والحماس المناهض للجزائريين خلال الأيام القليلة الماضية.

مباراة بالشتائم

فما كان قد بدا على شكل تداعيات لمباراة كرة قدم شرسة ومثيرة للنكد والعصبية قد تصاعد وتطور لاحقا إلى مباراة بالشتائم والسباب الدبلوماسي بين البلدين.

Image caption خضع اللاعبون المصريون لضغوط نفسية كبيرة لتلبية تطلعات الجماهير بالتأهل

لقد بدأ العنف خلال مباراة حاسمة للتأهل إلى المونديال جرت في القاهرة.

لا تزال أضلعي شخصيا تعاني من آثار الكدمات من جرَّاء سقوط حجر القرميد (الطوب) الذي رماني به مشجع مصري ظنني خطأ أنني جزائري. لكن ذلك لم يكن بشيء يُذكر إذا ما قورن بالإصابات الرأسية التي تعرض لها ثلاثة من اللاعبين الجزائريين الذين أُلقيت الحجارة على الحافلة التي كانت تقلهم.

"من صنع أيديهم"

هذا وتواصل وسائل الإعلام المصرية الزعم بأن الإصابات التي تعرض لها اللاعبون الجزائريون كانت من صنع اللاعبين أنفسهم، وذلك باستخدام مطارق تكسير النوافذ التي عثروا عليها في الحافلة.

وكانت تلك هي الحادثة الأولى في سلسلة من المزاعم المسعورة المتصاعدة والادعاءات المضادة بين السياسيين والمعلِّقين والنقاد التلفزيونيين، والتي تلقاها رجل الشارع العادي باستعداد وجاهزية.

كانت نتيجة لقاء القاهرة الكروي فوز المنتخب المصري 2-0، الأمر الذي استدعى إقامة مباراة حسم على أرض محايدة بعد أربعة أيام من تلك المباراة.

علاء مبارك

هذا وقد اتخذ أحد أبناء الرئيس المصري حسني مبارك، وهو رجل أعمال نادرا ما يتحدث علنا، خطوة غير اعتيادية عندما اتصل بأحد برامج الحوار التلفزيونية (التوك شو) وأدلى بحديث صاخب استمر لمدة 40 دقيقة.

فقد دعا علاء مبارك، والذي كان قد حضر مبارة الفصل الأخيرة التي جرت بين منتخبي البلدين في السودان، مصر بالرد على "عداء وإرهاب" الجزائريين، الذين قال عنهم إنهم جاؤوا مسلحين بالسكاكين والهراوات.

وأضاف بقوله لدى وصفه الجزائريين في واحدة من أكثر عباراته إثارة للتحريض والهيجان: "هم يضربوننا وكأننا يهود نضرب الناس في غزة."

وقد انضمت وسائل الإعلام المصرية المسعورة لتشارك في المعمعة، إذ ذكرت تقارير أن سجناء جزائريين كان قد أُطلق سراحهم ونُقلوا على متن طائرات عسكرية إلى السودان لكي ينفذوا أعمال العنف.

الهروب من الضرب

وقال لي بعض الأصدقاء إنه كان عليهم أن ينزعوا قمصانهم المصرية لدى مغادرتهم أرض الملعب والرقص مع الجزائريين لكي ينجوا بأنفسهم وكي لا يتعرضوا للضرب.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، تم استدعاء السفراء من الطرفين على التوالي وتوبيخم. حتى أنني قد تلقيت رسالة من السفارة المصرية في لندن، والتي يبدو أنها من الواضح قد تلقت الأوامر بدورها لنشر روايتها للأحداث.

أمَّا على الصعيد المحلي، فلا تزال تُشن الهجمات الانتقامية التي تبعث على القرف والاشمئزاز. فقد قام مدرس جزائري أعرفه ويعمل في إحدى المدارس في القاهرة بإرسال أسرته إلى بلاده إثر تلقيه تهديدات بالقتل من جهات مجهولة.

أشياء مشتركة

ويجب أن يكون هنالك الكثير من الأشياء المشتركة بين مصر والجزائر، والحقيقة هما لديهما مثل هكذا أمور. فكلا البلدين يُعتبر، وبدرجة كبيرة، بلدا مسلما، وعربيا، وأفريقيا، ويقاتل التطرف الإسلامي.

Image caption تداخل في المباراتين الأخيرتين بين مصر والجزائر ما هو رياضي مع هو سياسي

كما أن البلدين يتقاسمان تاريخا مشتركا من الاحتلال الأجنبي والثورة، إذ قاتلا جنبا إلى جنب في حرب عام 1973 ضد إسرائيل. ومع ذلك، فقد وصلت العلاقات بين البلدين إلى درجة من المرارة والعنف بالكاد يمكن تصورها.

بالطبع، لدى كل من البلدين شكاواه وتظلماته التي يتعين التحقيق بها بشكل مناسب. لكن لربما كان هنالك ثمة شيء آخر يحدث هنا، وهو أكثر عمقا، على الصعيد الاجتماعي.

غم واكتئاب

يقول أحمد الجباوي، أستاذ مادة علم النفس في جامعة الأزهر في القاهرة: "ما يجري الآن هو نتيجة سنوات من الاكتئاب والغم."

ويضيف الجباوي بقوله "إننا بصدد الحديث عن شعب مصري يشهد باستمرار إخفاقا اجتماعيا وماليا وسياسيا، وكانت كرة القدم هي شعاع النور الوحيد لديهم."

ويردف بالقول: "أنا لم أرَ من قبل المصريين يركِّزون اهتمامهم أجمعين على هدف واحد كما كانت عليه الحال قبل هاتين المباراتين، ولذلك فقد جاءت الخسارة خيبة أمل كبيرة بالنسبة للملايين."

Image caption انشغل الجزائريون بالاحتفال بالفوز بعد المباراة وتأهُّلم لمونديال كأس العالم المقبل

وسوف يبدأ الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في غضون الأيام القليلة المقبلة تحقيقه المستقل بالأحداث، ولربما سوف نعلم جميعا بحقيقة ما حصل بالفعل وإلى من يجب أن يُوجَّه اللوم، وذلك بهدوء وبعيدا عن الإثارة.

حرب كلامية

ويبقى القول إن أمر كرة القدم قد بات اليوم هو الشيء الثانوي ليس بذي أهمية تُذكر بالنسبة للحرب الكلامية التي تتواصل بين البلدين. ولا يسعنا إلا أن نأمل بأن يصبح المزاج العام أقل عدوانية ونزوعا إلى المواجهة.

ويحتفل المسلمون في كل مكان بعيد الأضحى، حيث ينصتون إلى صوت الله الخالد، زاهدين بهمومهم ومشاكلهم العادية.

وتظل المشكلة الوحيدة، بالطبع، هي أنه بالنسبة لملايين المصريين لا يُعتبر هذا الأمر عاديا إطلاقا.

المزيد حول هذه القصة