يوميات التغير المناخي - من موفدنا الى الأردن

في هذه اليوميات يسجل موفدنا الى الأردن أنور حامد ملاحظاته وخواطره المتعلقة بمعايشته لظاهرة التغير المناخي وتأثيرها على الحياة اليومية أثناء رحلته الى المنطقة لإعداد تقارير حول الظاهرة.

Image caption هذا الخيار لم يكن متاحا، رغم أنه الأكثر خضرة

اليوم الأول

صباح اليوم أغادر لندن متوجها الى الأردن لإعداد تقارير حول قضايا تتعلق بالتغير المناخي وآثاره على المنطقة، ومدى وعي الناس لتلك الآثار.

في أوروبا يتعامل المواطن العادي مع القضية بشكل شبه يومي: يسمع عنها في برامج الإذاعة والتلفزيون، يقرأ عنها في الصحف، يراها في إجراءات السلطات المحلية، وتتداخل مع أبسط شؤون حياته اليومية: حين يلقي بالقمامة مثلا، بإمكانه فصلها حسب المواد المصنوعة منها وإلقائها في الحاوية المناسبة. في لندن يجد الشخص نفسه أمام هذا الخيار أكثر من مرة في اليوم.

لكن ماذا عن العالم العربي ؟ هل القضية حاضرة في حياة المواطنين اليومية، وهل تحظى بأولوية في اهتاماتهم ؟

في هذه اليوميات سأفحص هذه القضية من خلال نشاطاتي اليومة وخياراتي الشخصية لأرى إن كان "الوعي البيئي" سيتطلب مني جهدا إضافيا يشكل عبئا على حياتي اليومية، أم أن بإمكاني اتخاذ القرارات السليمة من وجهة نظر البيئة دون أن أثقل على نفسي كثيرا. هذا سيعطيني والقراء فكرة عن مدى واقعية انتظار نشوء وعي بيئي في أوساط المواطنين العاديين.

السؤال الأول الذي طرح نفسه بعد انتهائي من إعداد حقائبي هو: كيف سأصل إلى مطار هيثرو الذي سأستقل منه الطائرة إلى عمان ؟

الخيارات المتاحة هي: إما قبول عرض زوجتي بأن توصلني بالسيارة، أو أن أستقل سيارة أجرة (تكسي) أو أن أستخدم المواصلات العامة (المترو مثلا).

استبعدت الخيار الأول رغم كونه الأكثر راحة بالنسبة لي، لأن سيارة العائلة ليست مما يمكن اعتباره "سيارة خضراء" فمن جهة محركها كبير ويستهلك الكثير من الوقود، ومن جهة أخرى ليس من النوع الهجين الرفيق بالبيئة، بل يحرق البترول بلا هوادة وينفث ثاني أكسيد الكربون السام بكثرة في أجواء البلد الملوثة أصلا بما تطلقه عوادم ملايين السيارات يوميا.

الخيار الثاني بدا معقولا ومريحا، ولكنه ليس مثاليا: أستطيع طلب سيارة أجرة صغيرة مثلا للحد من كمية الغازات المنبعثة، ولكني سأكون مسؤولا لوحدي عن كل ما ينبعث من عادمها.

إذن اخترت المترو، مما ترتب عليه شيء من المشقة، لأنه كان علي التنقل بحقيبتين كبيرتين في العربات المكتظة بالمسافرين.

لا بأس، وصلت المطار متعبا بعض الشيء، ولكني كنت فخورا بخياري "الأخضر".

ذلك الإحساس الرائع لم يدم طويلا، فأنا على وشك أن أستقل الطائرة، بكل ما يترتب عليه ذلك من آثار سلبية على البيئة.

أخرجت الحاسوب النقال (اللاب توب) من حقيبتي وبدأت أستطلع على المواقع المختصة على الإنترنت مقدار التلوث البيئي الذي سأتسبب به بمفردي بمجرد استقلالي الطائرة من لندن إلى عمان، والنتيجة: 407 كيلوغرامات من ثاني أكسيد الكربون ذهابا، ومثلها إيابا.

إذن ما وفرته في خياراتي الصباحية كان "غيضا من فيض" كما يقولون، فما العمل ؟

بينما كنت أفكر في حل كانت الطائرة تقوم وتحط بنا بعنف بفعل المطبات الهوائية، كأنها تصر على تذكير ركابها بضرورة عمل شيء للحد من أثر نمط حياتنا على مزاج الطبيعة.

قبل أن تهبط بي الطائرة في مطار عمان كنت قد اهتديت إلى حل: سأغرس في حديقة منزل شقيقي في عمان ما يكفي من الأشجار لمعادلة أثر رحلتي الجوية على البيئة.

حين وصلت الفندق كان أول ما فعلت هو ان أخرجت "اللاب توب" من حقيبتي وتصفحت بعض المواقع المختصة، وتبين لي أن علي زراعة شجرة واحدة فقط، حيث ستمتص طنا كاملا من ثاني أكسيد الكربون خلال فترة حياتها إذا قدر لها أن تعيش مئة سنة، وهذا كفيل بتغطية تبعات رحلتي في الذهاب والإياب.

بقي أن أبحث عن شجرة تعيش مئة سنة، وأغرسها في أول يوم يكون طقسه جافا بعض الشيء، عندها أستطيع أن أقول "كانت رحلتي خضراء" بالمفهوم البيئي طبعا. ومن يدري ؟ قريبي الذي تمنى لي رحلة سعيدة على صفحتي على فيس بوك قبل مغادرتي، خاتما أمنياته بعبارة "الله يجعل دربك أخضر يا خال"، ربما اختار عبارته بوعي بيئي.

بالمناسبة، مصادفة طريفة أن يكون إسم قريبي "ماجد خضر".

اليوم الثاني

Image caption العلاقة بين التغير المناخي ومحصول الزيتون

الثراء أحد أعداء البيئة في العالم ، هذا ما خطر ببالي وأنا أتجول في عمان الغربية حيث يقطن أثرياء المدينة.

الكثير من السيارات التي تشاهدها هنا إما ذات دفع رباعي أو بمحرك تزيد سعته على لترين، وثقافة استخدام السيارات هنا مختلفة عنها في لندن مثلا، فالاستخدام في عمان يومي، إما بدافع عدم تكبد عناء المواصلات العامة أو بسبب عدم فعالية نظام المواصلات أصلا، مما يدفع الكثيرين الى استخدام سيارة الأجرة (التكسي) عوضا عن الحافلة (التي تكاد تكون وسيلة المواصلات العامة الوحيدة).

الثراء إذن وسلوك الكثير من الأثرياء هو من أحد عوامل تلويث البيئة، ونحن نعلم أن أكثر بؤر تلويث البيئة في العالم العربي هي دول الخليج الثرية، حيث معدل الاستهلاك العام للطاقة بأشكالها يبلغ أضعاف ذلك المعدل في دول اخرى: العائلة تملك سيارة لكل فرد من أفرادها البالغين في معظم الأحيان، كثيرا ما تكون سيارات بمحرك كبير، لا اقتصاد في استخدام الكهرباء والمياه التي تنتج بتكاليف باهظة بسبب غياب مصدرها الطبيعي في معظم دول الخليج، البذخ في استهلاك المواد الغذائية، وغير ذلك من المظاهر التي تميز حياة المجتمعات في دول الخليج.

أما على المستوى العالمي فمن المعروف أن الدول الصناعية المتطورة وحديثة التطور هي المسؤولة عن الجزء الأكبر من ثاني أكسيد الكربون المنبعث في الأجواء.

الفقراء في العالم يلوثون البيئة بمستوى أقل بسبب محدودية مواردهم المالية، مما يعني محدودية قدرتهم على الاستهلاك بشكل عام.

هذا لا يعني أنهم "رفقاء بالبيئة" حين تكون لديهم خيارات حرة، فهم يلوثونها أحيانا بسبب غياب المعرفة وسيطرة الغيبيات على تفكيرهم وانشغالهم بأمور حياتهم الملحة الأخرى التي لا تجعل البيئة من ضمن أولوياتهم.

فضلا عن ذلك، هم يتوقون إلى التمتع بامتيازات الأغنياء إذا أتيحت لهم الفرصة ويعتقدون أن ذلك سبب للمباهاة.

خطر ببالي هذا حين كنت في ضيافة إحدى العائلات في عمان وسئلت عما أريد أن أشرب، وبما أني كنت أعلم أن لدى العائلة بيارة برتقال صغيرة فقد طلبت كوبا من عصير البرتقال، متوقعا أن أحصل على عصير طبيعي طازج، ولكني فوجئت بسيدة البيت تحضر عبوة كرتونية تصب منها العصير مفتخرة أنه عصير مستورد من أوروبا، التي تستورد البرتقال بدورها من هذا الجزء من العالم.

هذا ذكرني بطفولتي حين كنت وأقراني نفضل المشروبات الغازية على العصائر الطبيعية التي تعصر طازجة بعد أن تكون الفواكه قطفت لتوها.

كنا أيضا نتوق لشراء المربيات المصنعة عوضا عما تعده والدتي من مربيات طبيعية مئة بالمئة، من فواكه أنتيجت في حديقتنا.

في أوروبا يدفع كثير من المستهلكين مبالغ إضافية ليحصلوا على منتوجات تضاهي في طبيعيتها المنتوجات المنزلية، أما في البيئة التي نشأت بها وفي كثير من أنحاء العالم العربي فالثقافة السائدة هي ثقافة معاكسة: المنتوجات الصناعية هي مجال للتباهي ، أما أن تقدم لضيوفك شيئا من إنتاج حديقة منزلك فيعتبر غير مقبول.

صباح يوم عيد الأضحى تحدثت إلى والدتي بالهاتف من عمان، وسألتها ضمن ما سألتها عن موسم الزيتون والزيت، فقالت إنه كان شحيحا هذه السنة.

سألتها عن السبب فقالت إن "هذا هو النصيب" وهو اعتقاد لا يقتصر على والدتي بل يسود أوساطا كثيرة من المواطنين، فالغيبيات التي تسود حياتهم هي مصدرهم لتفسير الكثير من الظواهر التي تحيط بهم، ومنها شح الأمطار الذي ينتج عنه شح المحاصيل.

التغير المناخي هو آخر ما يخطر ببالهم، وإن خطر فربما يكون مرتبطا "بعقاب إلهي" وليس نتيجة طبيعية لسلوكهم اليومي الذي لا علاقة له بعقيدتهم الدينية ومدى التزامهم بها.

اليوم الثالث

Image caption الطاقة الشمسية مستخدمة في العالم، على نطاق ضيق، لماذا ؟

لليوم الثالث على التوالي أفيق على أشعة الشمس القوية تتسلل إلى غرفتي عبر زجاج النافذة. هذه المتعة أفتقدها في لندن على مدى شهور، أما هنا في عمان فيحظون بها على مدار السنة تقريبا، دون أن يكون لها فائدة أبعد من المتعة المباشرة.

هذا ما خطر ببالي وأنا أتمشى في الشوارع المحيطة بفندقي مستمتعا بشمس هذا اليوم من نهاية الخريف، وللصدفة المنطقة التي أقيم فيها تدعى "الشميساني".

في وقت لاحق من اليوم يحدثني بروفيسور التقيته عن سعي الأردن إلى إقامة مفاعلات نووية لتوليد الطاقة. نعم، مفاعلات نووية بكل ما تجلبه من وبال على البيئة.

ولكن لماذا لا يحاولون استثمار هذه الطاقة المجانية التي تهل عليهم من كبد السماء كل يوم ؟ دعونا من "نظريات المؤامرة" ولنفكر بعقلية إنسان بسيط حسن النية: هل يعقل أن تكون التقنية المستخدمة في توليد الطاقة من نواة الذرة أبسط من تلك التي نحتاجها لتفعيل الطاقة الشمية ؟ أي منا لا يستطيع أن يعد كوب شاي أو يسلق بيضة مستخدما أشعة الشمس المباشرة؟ فما بالك إذن بما يمكن أن يفعله بهذه الطاقة خبير يمتلك العلم والتقنية الملائمة ؟ ولماذا لا يحصل هذا ؟ لماذا تخاطر الدول بإمكانية التلويث المباشر للبيئة في حال حصول أي خلل في المفاعل، وهو شيء غير نادر، فضلا عن صعوبة التخلص من النفايات النووية دون تلويث التربة والمياه، ناهيك عن النزاعات السياسية وأشباح الحروب !

في معظم قرى الضفة الغربية يستخدم الأهالي نظاما شمسيا بسيطا لتسخين الماء صيفا وشتاء، كل ما يتطلبه هو بزوغ الشمس لفترة لا تتجاوز الساعة يوميا . النظام بسيط وقائم على استخدام المرايا الكبيرة، وهو من البساطة بحيث يستطيع الكثير من العمال المهرة تركيبه، وقد تعلموا ذلك أثناء عملهم في إسرائيل، فالتقنية إسرائيلية.

الفكرة مستخدمة في المنطقة منذ عقود، وإن لم يكن ذلك على نطاق واسع، فلماذا لا تطور ؟

لا أريد الدخول في تعقيدات التحليلات السياسية بل أكتفي بطرح السؤوال بكل بسطاة وبراءة وموضوعية.