أزمة دبي المالية توقظ مخاوف العمالة المهاجرة في الإمارة

لربما تتحمل الأعداد الكبيرة من العمال المهاجرين في دبي، ومعظمهم من دول آسيا والشرق الأوسط، وطأة المشاكل الناجمة عن أزمة الإئتمان الحادة التي ترزح تحتها الإمارة حاليا.

المفارقة أن دبي كانت قد شكَّلت بالنسبة لهؤلاء العمال مهربا وملجأ من شبح الفقر في بلدانهم.

Image caption المفارقة أن دبي كانت قد شكَّلت بالنسبة لهؤلاء العمال مهربا وملجأ من شبح الفقر في بلدانهم

عبر الصحف

يقول محمد، وهو عامل من بنغلاديش، إنه سمع بالأزمة المالية التي تعاني منها دبي من خلال الصحف. أما الآن، فقد بات محمد يعلم أن اثنين من أصدقائه قد خسرا عملهما.

لا يزال قطاع الإنشاءات في دبي يحمل الندوب التي كانت الأزمة الاقتصادية قد خلفتها، فقد شهدت الإمارة فورة اقتصادية كان قد جرى تمويلها عبر أموال مقترضة.

عودة العمالة المهاجرة

أما الآن، وفي الوقت الذي تواجه فيه واحدة من كبريات الشركات التي تملكها حكومة الإمارة، وهي شركة دبي العالمية، مشاكل سداد ديونها المستحقة، تتجدد المخاوف بشأن إمكانية إعادة المزيد من العمال المهاجرين إلى بلدانهم.

نعود إلى محمد ليروي لنا كيف هاله ما سمع بشأن صرف آلاف العمال من وظائفهم في إحدى الشركات الكبيرة لوحدها.

يقول محمد إنه يشعر بالغم والقلق حيال ما يجري، فأشقاؤه وشقيقاته في أرض الوطن يعتمدون في معيشتهم على تلك المبالغ التي يجنيها في دبي ويحولها لهم.

واقع العمال

قصة محمد هذه تعكس واقع آلاف العمال المهاجرين الآخرين الذي قدموا من دول آسيا ومنطقة الشرق الأوسط للعمل في الإمارة.

هؤلاء العمال هم من بنى دبي، وهم الآن يواصلون تنظيف شوارعها، ويجعلون معظم مؤسساتها تصمد وتتابع مسيرة عملها.

وبالمقابل، فقد ساعدتهم الأموال التي جنوها على البقاء والاستمرار، أو على الخروج من مستنقع الفقر المدقع الذي ترزح تحته بلدانهم.

لكن في دبي، تعتمد الإقامة على حصول الشخص على عمل، أو على توفر حساب مصرفي كبير باسمه. فإن لم يكن لديك لا هذا ولا ذاك، فيمكن ببساطة تسفيرك إلى بلادك.

"تشويه السمعة"

هنالك الكثير من أمثال محمد في دبي، وإن كانوا دوما يخشون من التحدث إلى وسائل الإعلام. ويمكن اتهام من يُضبط متحدثا إلى الإعلاميين بتشويه سمعة دبي، وبالتالي يتم ترحيله عن البلاد.

وعندما أسأل نادلا مصريا يعمل في أحد المطاعم اللبنانية فيما إذا كان يشعر بالقلق والخوف، يهمس في أذني قائلا: "فلتعثر لي على شخص واحد لا ينتابه الإحساس بالقلق حيال الآتي من الأمور."

ويبدو أن ذلك الشعور الذي يعبِّر عنه النادل المصري قد بات متفشيا في الإمارة.

حيرة وارتباك

وبينما كان الجميع يشعر بالحيرة والارتباك ويحاولون إيجاد الأثر المحتمل أن ينجم عن عجز شركة دبي العالمية عن سداد ديونها المستحقة في الرابع عشر من الشهر الجاري، راحت دبي نفسها تنظم عرضا احتفاليا باذخا لإحياء الذكرى السنوية لتأسيس اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي إحدى إمارات البلاد السبع.

كانت الأعلام تُرفع في كل مكان. حتى النساء، بلباسهن الأسود التقليدي، رحن يطبعن ويطرِّزن ألوان العلم الوطني على أغطية رؤوسهن ابتهاجا بالمناسبة.

وفي زحمة الاحتفالات، مررت بمجموعة من العمال الباكستانيين الذين كانوا يعكفون على صيانة واجهة أحد المباني، وذلك على الرغم من أنه كان يوم جمعة وعطلة عامة.

رواتب مؤجلة

بدأ أحد أولئك العمال بالحديث إلينا عن الرواتب المستحقة التي لم يتم دفعها بعد، وعن زملائه الذين خسروا وظائفهم.

لكنه غيَّر فجأة نغمة الحديث حالما شكَّ بأن حارسا أمنيا كان يقترب من المكان، فقال بلغة إنكليزية مبسَّطة: "إن دبي سعيدة للغاية، فدبي لا مشاكل فيها، لا مشاكل البتَّة."

Image caption يتحدث العمال الأجانب في دبي عن رواتبهم المؤجلة وعن زملائهم الذين جرى تسريحهم

وعلى الطرف الآخر من السلَّم الاجتماعي، التقيت بفرح آغا، وهي مستثمرة باكستانية في قطاع العقارات وتعيش في دبي، وقد بدت غاضبة، وإن كانت لأسباب مختلفة كل الاختلاف.

تسكن فرح في شقة واسعة فخمة في قلب الحي المالي بدبي.

قصر الشيخ

ومن خلال نافذة شقتها الواقعة في الطابق التاسع من المبنى، تستطيع أن ترى قصر الشبخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وحاكم إمارة دبي.

والشيخ محمد هو الرجل الذي يُعزى له على نطاق واسع فضل تحويل دبي إلى اسم تجاري لا يُمحى من الذاكرة، وإلى مركز تجاري ومنتجع سياحي، وكل ذلك خلال زمن قياسي.

تقول فرح إنها رأت قيمة استثماراتها تهبط وتتهاوى بسبب المشاكل المالية العالمية، ومن ثم أزمة شركة دبي العالمية.

تتهم المستثمرة الباكستانية السلطات في دبي بسن القوانين والقواعد التجارية تبعا للأحداث المستجدة.

قوانين تتغير

وتضيف قائلة: "لقد رأينا على مرِّ هذه الفترة من الزمن أنه حتى القوانين والقواعد والتعليمات تتغير. وما يحزن في الأمر هو أن ذلك يحدث دوما على حساب المستثمر."

وتردف بالقول: "إن كانوا يشعرون أن هنالك ثمة مستثمرين جددا سوف يأتون إلى هنا، حتى وإن كان المستثمرون القدامى غير راضين، فإن هذا لن يحدث، وذلك لأنهم بحاجة إلى حزمة قوانين ثابتة ومستقرة تكون ناظمة وشاملة لدولة الإمارات برمتها، وخصوصا دبي."

لقد أوضحت حكومة دبي بجلاء أنها لن تكفل أو تنقذ شركاتها المثقلة بالديون، مصرَّة على القول إن دبي العالمية هي كيان اقتصادي منفصل ومستقل قانونيا، وإن كانت الشركة مملوكة من قبل الحكومة."

حماة وكنَّة

وستشهد الأيام القليلة القادمة مفاوضات "الحماة والكنَّة" والمتمثلة بالمحادثات التي ستجري بين الدائنين وحكومة دبي بشأن كيفية تسوية هذا الخلاف.

وعلى الرغم من ذلك، فإن هنالك ثمة شيء وحيد مؤكد، كما يرى أحد المحللين، ألا وهو: مهما كانت النتيجة اتي ستفضي إليها المفاوضات المرتقبة، فإنه يتعين على الشركات المتأثرة بالأزمة في دبي أن تخفذِض من حجم العمالة لديها وأن تقلِّص من حجمها.

ويعني ذلك في هذه الحال، هذا إن اخترنا ألطف التعابير وأحسنها في وصف ما يجري في دبي، تسريح المزيد من العمال الأجانب في الإمارة.

Image caption برغم الأزمة، نظمت دبي هذا العام عرضا احتفاليا باذخا لإحياء الذكرى السنوية لتأسيس اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة