أين العرب من التشريع في مجال المناخ؟

مدينة مصدر الخالية من الكاربون في أبوظبي
Image caption من بين هذه المبادرات مدينة "مصدر" الخالية من الكاربون في ابو ظبي

تغير مناخي، انبعاثات، تصحر، غازات دفيئة، احتباس حراري، بروتوكول كيوتو، قمة كوبنهاجن وغيرها، كلها مصطلحات ومفردات نسمعها عبر نشرات الاخبار، ونقرأها في الصحف. قد لا تعني هذه المفردات الكثير للبعض، وبخاصة في عالم عربي لم يدخل حتى الآن السلوكيات البيئية في قاموس حياة مواطنيه اليومية.

في الوقت نفسه، ربما لا تتعرض انظمتنا العربية الى ما يكفي من الضغوط الاجتماعية والسياسية من قبل المجتمع المدني والاحزاب السياسية للتحرك في هذا المجال، وذلك لاسباب لها علاقة بتركيبة الانظمة والمجتمعات في العالم العربي.

بينما يصر الخبراء في المجالين البيئي والمناخي على انه بات من الضروري التحرك على نطاق واسع من اجل جعل الموضوع اولوية سياسية – اجتماعية ان لناحية التشريع والقوانين والالتزامات او لجهة حملات التوعية البيئية والمناخية التي تطال جميع فئات المجتمع.

يمكن تصوير المعضلة في المجال البيئي على الشكل التالي: البلدان الصناعية المتقدمة كالولايات المتحدة وبعض بلدان الاتحاد الاوروبي وغيرها كانت المسبب الاساسي في ما يسميه الخبراء بالتدهور البيئي الحاصل اليوم، والذي قد يتفاقم بشكل يتخطى التوقعات وبخاصة مع التطور الصناعي المتسارع في بلدان كالهند والصين والبرازيل وغيرها.

ومن المتوقع حسب التقارير الصادرة عن لجنة المناخ في الامم المتحدة ان تتخطى انبعاثات الدول الفقيرة تلك الناتجة عن الدول الصناعية الغنية بحلول عام 2020.

هنا تكمن المشكلة، اذ ان السؤال الذي يفرض نفسه في ظل هذا الواقع هو معرفة ما اذا كان من الممكن ترك بلدان صناعية عملاقة صاعدة تنمو بالشكل نفسه الذي نمت فيه البلدان الصناعية التقليدية، وفي الوقت الذي اصبحت فيه النتائج المناخية السلبية للنمو الصناعي معروفة.

فالهند والصين على سبيل المثال، تشكلان اكثر من نصف سكان الارض ولا تملكان الامكانيات والتكنولوجيا الاساسية لتخفيف الانبعاثات، ومن هنا مطالبة الدول النامية الدول الصناعية الغنية بدفع جزء من الفاتورة من خلال تمويل مشاريع تساعد الدول الفقيرة على الحد من انبعاثاتها.

كل هذه الاسئلة والمشاكل والكثير من المواضيع التقنية الاخرى مطروحة على طاولة المفاوضات في قمة كوبنهاجن. ويطمح المشاركون بأن تؤدي هذه المفاوضات على اقل تقدير الى رسم اطار جديد لاتفاقية مقبلة في المجال المناخي. فاتفاقية كيوتو، حسب الخبراء في مجال البيئة والمناخ، لم تعد تكفي اذ ان العالم تغير كثيرا منذ تاريخ توقيعها عام 1997 وبخاصة لناحية الدول الصناعية الصاعدة.

وفي الوقت الذي ينكب فيه الخبراء وممثلو الدول في كوبنهاجن على محاولة التوصل الى اتفاق في المجال المناخي بين الدول الصناعية والدول النامية، اين يقف العالم العربي حيال كل هذه المشاكل، والى اي درجة تعطي الدول العربية اهمية في مجال التشريع والعمل المشترك لملف المناخ؟

مبادرات خجولة

في هذا السياق، يقول نجيب صعب، امين عام المنتدى العربي للبيئة والتنمية، وهي منظمة غير حكومية تعنى بالشؤون البيئية والمناخية، إن هناك بعض المبادرات اتخذتها بعض الدول العربية، وان كانت هذه المبادرات غير مترابطة وعلى نطاق ضيق في بعض الاحيان، فهي امر تجدر الاشارة اليه.

يذكر صعب من بين هذه المبادرات مدينة "مصدر" الخالية من الكاربون في ابو ظبي بالامارات والتي تساهم الى حد بعيد، ومن خلال استثمارات بمليارات الدولارات، في تطوير تكنولوجيا استخدام تقنيات الطاقة المتجددة.

وفي الاردن، يضيف صعب، اتخذت تدابير مهمة جدا لم تكن بحاجة عمليا الى تمويل، وتمثلت باعفاءات جمركية على السيارات والمعدات الموفرة للطاقة وزيادة التعرفة على المواد الملوثة.

وادى ذلك خلال عام واحد، الى تشجيع المواطنين الاردنيين على شراء السيارات التي تعرف بـ"الهايبريد" الصديقة للبيئة والتي اصبحت منتشرة بالآلاف في المملكة.

اما في كل من تونس ومصر، فقد بدأ العمل على توليد الطاقة بواسطة الشمس والرياح والاهم من ذلك هو انه تم وصل مراكز التوليد هذه بالشبكة العامة لتوزيع الطاقة.

ولكن في بلدان اخرى، وعلى الرغم من ان كل ما تتطلبه المسألة مبادرات بسيطة، تبدو الامور اكثر تعقيدا، وذكر صعب في هذا السياق لبنان الذي اعربت فيه وزارة المالية مرارا استعدادها لاقرار تعديلات جمركية كما جرى في الاردن، الا انه لم يصلها حتى الآن اي اقتراح بهذا الشأن من السلطة المعنية اي وزارة البيئة.

وتبقى المبادرات التي تتخذ في المجال المناخي في العالم العربي محلية لا ترقى الى مبادرات مترابطة بين مختلف البلدان على الرغم من وجود إطار عربي جامع هو جامعة الدول العربية التي من المفترض ان تنسق الجهود وتشجع على دفع عجلة التشريعات العربية في مجال المناخ.

جامعة الدول العربية

Image caption نجيب صعب، امين عام المنتدى العربي للبيئة والتنمية

ويقول صعب ان الجهة المسؤولة في هذا المجال لدى جامعة الدول العربية هي مجلس الوزراء المسؤولين عن شؤون البيئة الذي يعرف ايضا بمجلس وزراء البيئة العرب.

وفي عام 2007، اصدر المجلس للمرة الاولى اعلانا بالغ الاهمية عن المناخ، ولكنه في الوقت نفسه، وعلى الرغم من تناوله الموضوع المناخي، لم تسجل اي مبادرات لتحويل هذا الاعلان الى سياسات حكومية تلتزم بها الدول الاعضاء في الجامعة.

وجاءت المبادرة الثانية للجامعة العربية في خريف عام 2009 الجاري مع اصدار بيان عن تغير المناخ تضمن للمرة الاولى رقما يشير الى تخفيض الانبعاثات الناتجة عن الدول الصناعية بحلول عام 2020.

وفي هذا السياق، يقول صعب ان اهمية البيان تكمن في تضمنه رقما على الرغم من انه لا يتعلق بانبعاثات الدول العربية، ولكن التقدم هو في ان الدول العربية كانت دوما ترفض الكلام عن اي رقم كي لا تلزم نفسها بشيء اذ ان التوجه العام للدول العربية لطالما كان تجاهل مسألة الانبعاثات والتغير المناخي واعتبارها غير موجودة اصلا وغير مؤكدة، وحتى ان البعض ذهب الى حد اعتبار كل قضية الانبعاثات والتغير المناخي مؤامرة تحاك ضد الدول المنتجة للنفط.

غياب التشريع

ويعيد صعب سبب غياب المبادرات المشتركة على الصعيد العربي وانحسارها في مبادرات محلية تأخذها كل دولة على حدة إلى طريقة عمل جامعة الدول العربية التي لا تملك الامكانيات اللازمة في الوقت الحالي لانتاج اطار يسمح بتحويل قضية المناخ الى ورشة عمل عربية.

ووصف صعب التشريع في مجال البيئة بالامر المهم جدا، لكنه شبه معدوم في العالم العربي، مضيفا بأن التشريع لو لم يكن فعالا في اوروبا مثلا، ولو لم يكن هناك قوانين صارمة ترفع على سبيل المثال الرسوم على السيارات مقابل تأمين وسائل نقل عام وفقا لدراسات في مجال التنظيم المدني بما يجمع بين السكن والعمل، لكان الوضع اسوأ بكثير مما هو عليه الآن.

ويشير صعب الى ان العجز الكبير في العالم العربي يتمثل بغياب المعلومات المتعلقة بتغير المناخ، وبأن غالبية الذين يتولون الملفات البيئية هم من الهواة وليسوا من الاختصاصيين في هذا المجال.

بالاضافة الى دور جامعة الدول العربية والحكومات ختم صعب بالكلام عن دور منظمات المجتمع المدني اذ قال انه "وبينما نرى دائما تظاهرات لمناصري البيئة في الغرب، فهي شبه معدومة في العالم العربي، والموضوع مرتبط بأن المواطن العربي "مدجن" بسبب غياب الديمقراطية وحرية التعبير في الكثير من البلدان العربية، لكنه اضاف بأنه لا يمكن استمرار الامور على هذا الشكل لان هناك حالة وعي عند الجمهور العربي ستتحول عاجلا ام آجلا الى وسيلة ضغط".