هل يدفع اللاجئون ثمن الصلح بين تشاد والسودان؟

الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس التشادي ادريس ديبي في الخرطوم
Image caption الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس التشادي ادريس ديبي في الخرطوم

في خطوة تزامنت مع زيارة اجراها الى الخرطوم في فبراير/ شباط 2009 ولقائه الرئيس السوداني عمر البشير، دعا الرئيس التشادي ادريس ديبي الى سحب قوات حفظ السلام الدولية المنتشرة على الحدود بين تشاد والسودان والتي تعنى بحماية المدنيين وتحسين وصول المساعدات للاجئين في مخيمات تشاد.

حجم هذه القوة الدولية المنتشرة في كل من جمهورية افريقيا الوسطى وتشاد يبلغ حوالي 5200 جندي وتعرف بـ"مينوركات" (MINURCAT).

صرح ديبي من العاصمة السودانية قائلا ان بلاده لا ترغب بتجديد مهمة القوة الدولية لانها حسب تعبيره "فشلت في تحسين الاوضاع المعيشية للاجئين".

كما اعتبر ديبي ان القوة الدولية لم تتمكن من زيادة عدد العاملين فيها، مشيرا الى انها لم تفعل ما يلزم من اجل اقامة مشاريع تنموية منتجة تساعد اللاجئين.

وردت الامم المتحدة على كلام ديبي من خلال الناطق باسمها، مارتن نيسيركي، الذي قال انه "من المؤسف جدا ان تطلب الحكومة التشادية هذا الامر لان مهمة القوات الدولية لم تكن ابدا فاشلة اذ ان حجمها بلغ نحو 70 بالمئة من القوة الاجمالية المسموح بها لقوة دولية عاملة في تشاد.

كما ان مشاركتها في تأمين الحماية للقوافل وشحنات المساعدات للاجئين كانت اساسية بالاضافة الى مساهمتها بشكل كبير في تدريب قوات الامن التشادية سواء في مخيمات اللاجئين او في محيطها.

لاجئون بمئات الآلاف

لا يمكن النظر الى اهمية هذا الموضوع الا من خلال ذكر عدد اللاجئين في تشاد الذي لا يخطئ من يصفه ببلد اللاجئين اذ لديه حدود مع ستة بلدان، ما يعتبر سببا اساسيا لحالة عدم الاستقرار السياسي والامني في البلد الذي تبلغ مساحته مليون و 284 الف كيلومتر مربع والذي يقدر الطول الاجمالي لحدوده البرية بنحو 6 آلاف كيلومتر.

هذه الجغرافيا جعلت تشاد مأوى للنازحين واللاجئين الذين يسكنون مخيمات، والذين بحسب ما يقولون وبحسب شهادات المنظمات الانسانية العاملة في شرقي تشاد تحديدا قد تصعب كل جوانب حياتهم دون المساعدات الاساسية التي تقدمها المنظمات الانسانية التي تعتبر القوة الدولية احدى الضمانات الاساسية لحسن سير عملها.

Image caption لاجئون من دارفور في احد مخيمات شرقي تشاد

ففي تشاد نازحون محليون يسكنون في مخيمات وعددهم يتخطى 180 الف شخص هجروا ونزحوا بسبب نزاعات اثنية وقبلية مختلفة شمال البلاد وجنوبها.

اما اللاجئون فغالبيتهم من اقليم دارفور السوداني المضطرب ويتخطى عددهم 250 الف شخص، و12 الف شخص من جمهورية افريقيا الوسطى. وذلك حسب ارقام المفوضية العليا للاجئين التابعة للامم المتحدة.

بغض النظر عما اذا كانت الاسباب التي طرحها الرئيس التشادي لعدم تجديد مهمة القوات الدولية في بلاده صحيحة ام لا، وبغض النظر عن موقف الامم المتحدة التي تدافع عن عمل قوتها وبخاصة في مجال اعادة تأهيل وتدريب قوات الامن التشادية التي تضمن امن مخيمات اللاجئين، من المفيد ربما التطرق الى رمزية اعلان ديبي.

جاء هذا الاعلان في ختام زيارة استمرت يومين الى السودان، الشقيق اللدود لتشاد، والذي كان حتى مؤخرا لا يفوت مناسبة لاتهام الرئيس التشادي بدعم المتمردين السودانيين في دارفور وعلى رأسهم حركة العدل والمساواة بمحاولة الاطاحة بالنظام السوداني وتحديدا من خلال عملية "الذراع الطويل" التي نفذتها في مايو/ ايار 2008 حركة العدل والمساواة في هجوم على مدينة ام درمان القريبة من العاصمة الخرطوم مهددة بذلك حكم الرئيس السوداني عمر البشير.

حرب بالوكالة

وفي المقابل، لم تفوت تشاد فرصة لاتهام نظام الرئيس السوداني عمر البشير بدعم المتمردين التشاديين الذين حاولوا اكثر من مرة الاطاحة بالرئيس ادريس ديبي وكانت عمليتهم الاكثر نوعية في 2 فبراير/ شباط 2008 حيث تمكنوا من السيطرة على العاصمة التشادية نجامينا باستثناء القصر الرئاسي.

وحينها، لولا قرار مجلس الامن الدولي الداعم لديبي والغطاء الذي اعطاه لمشاركة "لوجستية" للقوات الفرنسية، لما كانت القوات الحكومية التشادية قد تمكنت من دحر المتمردين.

لا يمكن، في قراءة التسلسل التاريخي للاحداث بين البلدين، فصل محاولة انقلاب فبراير/شباط 2008 في تشاد عن هجوم ام درمان الذي جاء بعد اشهر قليلة. وكأن عملية "الذراع الطويل" جاءت بمثابة رد، نفذه ديبي بواسطة المتمردين السودانيين، على هجوم فبراير/ شباط الذي كان قد استهدف نجامينا بواسطة متمردين تشاديين اتهمت تشاد البشير بدعمهم.

Image caption مسلحون متمردون في اقليم دارفور

وفي هذا السياق، هل يمكن اعتبار زيارة ديبي للخرطوم واعلان "تحرره" من القوات الدولية بمثابة نهاية للصراع بالوكالة الذي كان يخوضه كل من هذين البلدين بواسطة فصائل متمردة؟

من الطبيعي ان تكون الامم المتحدة اول من يأمل بانتهاء النزاعات والحروب وحلول السلام بين اعداء الامس، لكن في الوقت نفسه السؤال الواقعي الذي يطرح يتعلق بقدرة تشاد على تأمين امن اللاجئين والنازحين في مخيماتها قبل اتخاذ قرار عدم التجديد لـ"مينوركات".

شرط سوداني؟

كما ان الايام والاسابيع المقبلة هي التي ستكشف عما اذا كان عدم التجديد للقوات الدولية شرطا وضعه البشير مقابل تحسين علاقته بادريس ديبي، وبخاصة بعد خضوع البشير لضغوط دولية كبيرة، اذ اصبح مطلوبا لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في دارفور.

وفي حال صح ذلك، تكون الامم المتحدة التي تدافع عن مهمتها قناعة منها بأنها تضمن امن المدنيين، قد دفعت ثمن الصلح بين نظامين تطرح اسئلة كثيرة حول المعايير التي يعتمدانها في مجالي حقوق الانسان والديمقراطية.

ولكن في النهاية، بينما كانت تعتبر "مينوركات" ضمانة امنية لعمل المنظمات الدولية في تشاد من جهة ولتأمين سلامة المخيمات من جهة اخرى من خلال تدريب الشرطة التشادية، فقد يؤدي غيابها عن الساحة الى زرع الشكوك في نفوس المنظمات الانسانية التي قد لا ترى الشروط الامنية لعملها مستوفاة في تشاد مع غياب الضمانة التي كانت تشكلها القوات الدولية.

وبالمحصلة النهائية، وفي ظل هذه المقومات، قد يكون اللاجئ في مخيمات تشاد هو الذي سيدفع الثمن الاكبر للصلح التشادي السوداني، اذ لا يمكن الحسم منذ الآن ان الحكومة التشادية ستتمكن من التنسيق بشكل كامل مع المنظمات الانسانية لضمان وصول المساعدات وتوزيعها وتحسين حياة اللاجئين.