الشرخ بين المتدينين والعلمانيين في تركيا

اردوغان وقادة الجيش

ادت التحقيقات الجارية في محاولة الانقلاب المزعومة التي اتهم بالتورط فيها عدد من كبار ضباط القوات المسلحة التركية الحاليين والسابقين، والتي وجهت التهم فيها الى عشرين ضابطا بالتورط في المحاولة، الى ارتفاع حدة التوتر بين المؤسسة القومية العلمانية من جهة وحزب العدالة والتنمية - اسلامي التوجه - الحاكم من جهة اخرى.

فحتى في قلب مدينة اسطنبول، لا يسع المرء ان يتجنب الشعور بوجود الجيش التركي الدائم، حيث تنتشر فيها الاشارات الحمراء والسوداء التي تحذر المارة من دخول المناطق العسكرية المحرمة المنتشرة في كل ارجاء هذه البلاد.

معظم هذه المناطق المحرمة هي عبارة عن المعسكرات التي يقيم فيها افراد القوات المسلحة البالغ عددهم زهاء المليون في عزلة شبه تامة عن بقية المجتمع.

ومن اجل تعزيز هذه العزلة التي تفرضها على نفسها هذه المؤسسة الجبارة وغير الخاضعة للمحاسبة، زودت المعسكرات والثكنات بكل ما يحتاج اليه العسكريون في حياتهم من اسواق الى مستشفيات الى صالونات حلاقة.

لعب الجيش التركي دورا حاسما طيلة تاريخ تركيا الحديثة، فقد اطاح باربع من حكوماتها في السنوات الخمسين الاخيرة.

اما كبار ضباط القوات المسلحة، فيعتبرون نخبة لا يمكن المس بها حتى بعد تقاعدهم من الخدمة.

عملية "المطرقة"

الا ان هذه المميزات ضربت عرض الحائط هذا الاسبوع عندما داهمت وحدات مكافحة الارهاب التركية مساكن اكثر من اربعين من كبار ضباط الجيش - بمن فيهم قادة سابقون للقوة الجوية والبحرية والجيش - واقتادتهم الى مقر شرطة اسطنبول للتحقيق معهم بخصوص سلسلة من المؤامرات الغامضة والسرية تحمل اسماء غريبة كـ"الشقراء" و"ضوء القمر" و"المطرقة" تهدف كلها الى تقويض نظام حكم حزب العدالة والتنمية، وتشمل تنفيذ اعمال كزرع المتفجرات في المساجد واسقاط الطائرات العسكرية لاستخدامها كحجة للقيام بانقلاب عسكري.

وهناك منظمة "ارجينيكون" الغامضة التي تضم زعماء مافيات وقتلة مأجورين ووحدات شبه عسكرية تابعة للاستخبارات الامريكية مهمتها تنفيذ اعمال تخريب من اجل الهدف نفسه.

ولكن مما يضعف من مصداقية هذه الاخبار انها وردت كلها عن طريق صحيفة صغيرة ذات مواقف معروفة تسمى صحيفة "طرف."

وبالرغم من ان مواقف "طرف" الشجاعة في فضح المؤامرات التي يحوكها بعض ضباط الجيش قد حازت اعجاب الكثيرين، لم تتمكن الصحيفة من الافصاح عن مصدر الوثائق التي نشرتها او الاطراف التي تمولها - مما اعطى المشككين الفرصة للطعن برواياتها، وهو امر يسير نسبيا في بلد كتركيا مدمن على نظرية المؤامرة.

حلقات مظلمة

ولا تساعد قضية المروجين للادعاءات بتورط الجيش في نشاطات هدامة الحقيقة القائلة إنه بعد ثلاث سنوات من التحقيقات المستمرة وثلاثة احكام، لم يتمخض التحقيق عن ادلة مادية كافية.

الا ان ذلك لم يمنع السلطات من ايداع العشرات السجون بمن فيهم صحفيون واساتذة جامعات وحتى رئيس جمعية خيرية تدعى "مؤسسة بابا نؤيل التركية."

فهل هذه هي مجرد مؤامرة تنفذها الحكومة من اجل التغلب على مناوئيها؟ هذا هو الذي تقوله الاحزاب المعارضة.

فمما لا شك فيه ان المودة بين الاسلاميين في حزب العدالة والتنمية من جهة وطبقة الضباط المغالية في علمانيتها من جهة اخرى شبه معدومة.

مع ذلك، هناك ما يكفي من الحلقات المظلمة في التاريخ التركي مما يجعل هذه النظريات قابلة للتصديق تقريبا.

فهناك المئات من جرائم القتل والتعذيب والاختفاء - خاصة اثناء الحرب ضد الانفصاليين الاكراد - لم تحل ابدا.

قيود الاسلام

هناك الكثيرون من الاتراك - ومعظمهم اناس متعقلون يريدون من الجيش ان يلزم ثكناته - يخشون سطوة المتدينين الذين يحكمون البلاد الآن في حال غياب التهديد الذي يمثله العسكر لنظام حكمهم.

فهل سيسمح الاسلاميون باستمرار حياة اسطنبول الليلية التي اضحت مثار حسد غيرها من المدن الاوروبية؟ ففي العديد من المدن التركية لم يعد ممكنا ابتياع المشروبات الكحولية - وهذا في بلد كان اول مشروع حكومي نفذه مؤسسه كمال اتاتورك مصنعا للبيرة.

وماذا عن الحريات التي تتمتع بها النساء - وهي حريات ليس لها نظير غي سائر العالم الاسلامي؟ ما سيكون يا ترى مصيرها؟

لا يخشى العلمانيون فرض الشريعة الاسلامية، بل الضغوط الاكثر ذكاء كاعطاء الوظائف المهمة في الدولة وادارة الشركات التي لها علاقة بالدولة الى مسلمين ملتزمين دينيا.

فعلى سبيل المثال، موتولو الكان هي من انجح سيدات الاعمال في تركيا، وهي كذلك في المكتب السياسي للحزب الحاكم.

ترتدي الكان الحجاب ما يمنعها وفقا للقانون من دخول المباني الحكومية والجامعات.

تقول الكان انها تحترم القانون العلماني وانها تقدم الكحول لضيوفها الذين يرغبون بذلك، الا انها في الوقت نفسه تتألم للاساءة التي تتعرض لها عندما يفرض عليها الجيش وحلفائه نمطا معينا من السلوك.

وكانت قضية منع زوجة رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان من القيام بواجب زيارة مريض في مستشفى عسكري لانه لا يسمح للمحجبات بدخول المباني العامة قد اشعلت مؤخرا جدلا واسعا في البلاد.

ففي المستشفيات في تركيا، علبة بالقرب من المدخل، تجبر المرأة المحجبة لدى دخولها على وضع دبابيس حجابها فيها كي تدخل المبنى بحجاب لا يغطي رأسها باحكام.

خوف وغياب الثقة

هناك في تركيا غياب شبه تام للحلول الوسط فالناس ينقسمون الى قسمين، يمكن تصنيفهم بين من لا يثق بالجيش ويعتقد ان هذه المؤسسة تعيق تقدم البلاد نحو الديمقراطية وامكانية انخراط تركيا في الاتحاد الاوروبي، وبين من يرتابه الرعب من القناعات الدينية للحزب الحاكم وما قد يفعله بالارث العلماني للبلاد.

حتى القضاء منقسم وهناك بالحقيقة قلة من المؤسسات التي يمكن وصفها بالمحايدة.

وفي النهاية، مهما ارتكزت الاحكام الصادرة عن المحاكم التركية على وقائع حسية، الا انه من الاكيد ان نصف الشعب على الاقل سيقول انه غير مقتنع بها.