الشباب العراقي والانترنت: بين التعارف والتواصل مع الخارج

شبان في مقهى انترنت في العراق

الاقبال على الانترنت كثيف جدا بالرغم من بطء التواصل وانقطاع الكهرباء

كان مساء بغداد الشاحب قد حل عندما توجهنا الى حي الكرادة الذي يقع على الضفة الشرقية من نهر دجلة والذي طالته، مثله مثل بقية مناطق العراق موجة التفجيرات وآخرها ذلك الانفجار الذي وقع الشهر الماضي واستهدف عددا من الفنادق ومن بينها فندق شيراتون الواقع في تخوم الحي والذي كان من المفترض ان نقيم فيه.

خلافا للتغطيات الاخبارية السابقة، لم نذهب الى الحي الذي تقطنه غالبية من الشيعة والمسيحيين لتغطية انفجار ما كما هي العادة، وانما لزيارة احد مقاهي الانترنت المنتشرة في الحي ووجد فيها السكان متنفسا ومنفذا يربطهم بالعالم الخارجي.

رغم ان المسافة بين مكتب بي بي سي في بغداد، والمقهى لا تتعدى الكيلومتر الواحد، الا ان الوصول الى المقهى استغرق اكثر من نصف ساعة قضيناها في التوقف عبر الحواجز الامنية التي يطلق عليها العراقيون اسم "السيطرات" حيث تُخضع جميع السيارات التي تمر عبر هذه الحواجز لتفتيش دقيق بواسطة اجهزة الكشف عن المتفجرات، كما يخضع ركابها للتدقيق في هوياتهم.

بدا لنا المقهى الذي يقع في ركن بناية تطفح مياه المجاري من جنباتها وكأنه مركز للاتصالات، فالمقهى الذي يغص بالكثير من الزبائن الذين يربط كل واحد منهم سماعة باذنه بينما يمسك بمايكرفون وقد انهمكوا في تبادل التحايا بصوت عال مع ذويهم واحبائهم، لدرجة إن "شلونك" التي يتبادلها العراقيون للسلام مع بعضهم تبدو غالبة وطاغية على المكان وتسمعها اينما وجهت اذنك.

المناجاة مع الاهل والاحباب

وقد سألت عمر وهو شاب في العشرينات من العمر عن السبب الذي حمله على المجيء الى هذا المقهى فاجابني باقتضاب :" جئت للتحدث مع عائلتي التي تقيم في الدنمارك والاطمئنان على احوالهم وكذلك للسؤال عن مساعيهم لاستخراج تأشيرة دخول لي للالتحاق بهم".

غادة وهي عراقية محجبة بدت منهمكة في حديث طويل عبر الانترنت وقد تناهي الى صوتها وهي تحاول اقناع محدثها بجدوى مشروع كي يزودها بالمال لافتتاحه، لكنها رفضت الحديث معنا بدعوى انها مشغولة واننا نضيع وقتها خاصة وان ساعة الاتصال التي حجزتها عبر الانترنت توشك على الانتهاء.

لم تكن غادة وحدها هي المشغولة بالاستفادة لاقصى قدر من الزمن الذي تنفقه في الانترنت، كان الجميع يفعلون ذلك، فهم يتكلمون ويتصفحون في آن واحد بريدهم الالكتروني او المواقع الاخبارية.

هذا المقهى هو أحد مقاهي الانترنت التي انتشرت في ارجاء العراق بطوله وعرضه مثلما ينتشر الفطر في المروج.. وبعض هذه المقاهي يقع في اماكن لا تخطر على بال مثل سطح بناية مدمرة، او في عمق حي بائس يبدو للوهلة الاولى وكأن صلته بعصر المعلوماتية شبه مقطوعة إن لم تكن مقطوعة بالكامل، بينما يقع البعض الآخر داخل مراكز تسوق فخمة ومكيفة يسميها الناس هنا بـ"المولات".

وهكذا فان العراق المعاصر الذي ارتبط في الاخبار بالانفجارات والدمار والخوف وعمليات القتل على الهوية وايضا بالجدر الاسمنية وحواجز التفتيش التي لا حصر لها، يشهد انفجارات من نوع آخر عنوانها الرئيسي هو المعلوماتية والاتصالات، ويشكل الانترنت الذي دخل البلاد بقوة وعلى حين غرة المحرك الرئيسي او الصاعق لتلك الانفجارات التي توصف بالمحمودة.

بعض هذه المقاهي يقع في اماكن لا تخطر على بال مثل سطح بناية مدمرة، او في عمق حي بائس يبدو للوهلة الاولى وكأن صلته بعصر المعلوماتية

وشكلت الاتصالات المرتبطة بالانترنت مثل "المسنجر" او "السكايب" او ما شاكلها المحرك الاساسي لتنامي إنتشار الانترنت في العراق حيث درج الكثيرون على التواصل مع اهلهم واقاربهم في الخارج عبر تلك الوسائل التي تعتبر رخيصة نسبية مقارنة بالاتصالات الهاتفية المباشرة، الا ان استخدام الانترنت لا يقتصر فقط الاتصالات الهاتفية، فهناك البريد الالكتروني الذي يلقى رواجا كبيرا هو الاخر باعتباره وسيلة زهيدة التكلفة للتواصل مع الآخرين.

داشني، مغنية كردية عراقية تقيم في المانيا

داشني، مغنية كردية عراقية تقيم في المانيا وملقبة بـ"شاكيرا كردستان"

وهناك ايضا مواقع التواصل الاجتماعي مثل "الفيس بوك" الذي انتشر في العراق انتشارا وصف بالصاروخي ، وهو انتشار يبدو واضحا في ان معظم من التقيت بهم في العراق لديهم حسابات في "فيس بوك".. وبدرجة اقل في موقع "تويتر" و"بال توك".

تعارف وزواج

ورغم ان خدمة الانترنت في العراق ليست فائقة السرعة، وتتسم ببط الاستجابة في كثير من الاحيان، الا ان البعض من العراقيين وجدوا فيها فرصة للتعارف او لاكمال نصف دينهم، خاصة مع انتشار الكثير من مواقع التعارف والزواج العراقية على الانترنت ومن بينها موقع (شبكة التعارف العراقية) الذي يقول في اعلاناته الترويجية:" تعرف هنا على اصدقاء وصديقات جدد بنات او شباب من جميع انحاء وطننا (العراق) او من خارجه. ربما نصفك الثاني ينتظرك.. هنا أقوى واول موقع تعارف"... ويقدم الموقع سيرة ذاتية مرفقة بالصور لكل راغب او راغبة في الزواج على ان يسهم الموقع في اتاحة التواصل بين الراغبين.

التقيت بأحمد الذي طلب عدم الاشارة الى اسمه بالكامل وهو شاب في مقتبل العمر يقيم في بغداد تعرف على زوجته التي كانت تسكن في اربيل عبر الانترنت وانتهى هذا التعارف بالزواج قبل ستة اشهر.

سألت احمد عن سبب تحرجه من ذكر اسمه بالكامل، فقال إنه سيشعر بالخجل إذا عرف الناس بأنه تزوج عبر الانترنت وأنه اتفق مع زوجته على عدم الاشارة الى طريقة تعارفهما، وقال إنه كان قد سجل نفسه باسم مستعار في احد مواقع التعارف العراقية وتواصل مع عدة فتيات من المسجلات في ذلك الموقع قبل ان ينتهي به الامر الى التعرف بالفتاة التي اصبحت زوجته.

حكى لي احمد قصة لقائه الاول مع زوجته، قائلا إنه اضطر الى السفر الى اربيل بواسطة طيران الخطوط الجوية العراقية التي تسير رحلتين يوميا بين بغداد واربيل وتبلغ اجرة التذكرة حوالي الـ150 دولارا، حتى يتمكن من لقائها.

واشار الى انهما اتفقا على اللقاء في احد مراكز التسوق كما اتفقا على شكل وتفاصيل الملابس التي سيلبسانها حتى يتسنى لهما معرفة بعضهما البعض وقال إنهما كان يشعران بالخجل الشديد من بعضهما البعض الا انهما تمكنا من كسر ذلك الحاجز وسارا في طريق التعارف الذي انتهى اخيرا بالزواج.

عراقيون بلا حواجز

قصة احمد وزواجه من زوجته وهي عراقية من الجنوب نزحت الى كردستان العراق مع اهلها بسبب المخاوف الامنية، هي انعكاس لقصة علاقة صداقة اخرى قامت بين فتاتين تقيم احداهما في اربيل وتدعى شازان، بينما تقيم الثانية في بغداد وتدعى رفل.

علاقة الصداقة بين الفتاتين نسجت خيوطها عبر الانترنت في البداية، حيث تعارفتا عبر "الفيس بوك" وظلتا تتواصلان عبر "المسنجر" والهاتف بشكل شبه يومي وتتحدثان في شتى الامور مثل الموضة والطقس واحلام المستقبل وغير ذلك، كما تطمئنان على بعضهما البعض كلما افادت الانباء بوقوع انفجار في بغداد.

تقول رفل التي تدرس الطب في جامعة بغداد إنها تعرفت على شازان بوصفها عراقية وانها لم تكن معنية البتة بهوية صديقة او ما اذا كانت مسلمة ام مسيحية شيعية او سنية او تنتمي الى العرب او الاكراد وغير ذلك، وانما ما يعنيها اساسا ان تجد صديقة بغض النظر عن لونها او عرقها او دينها.

هذه العلاقة التي تخطت حواجز الجغرافيا والسياسة، تبدو متناقضة الى حد كبير مع تباعد الامر الواقع الحاصل حاليا بين كردستان وبغداد، حيث احتجت مثلا الى تأشيرتي دخول الاولى للعراق، والاخرى لدخول اقليم كردستان، كما ان الاقليم الذي ينعم بامن واستقرار نسبيين مقارنة ببقية انحاء العراق يبدو وكأنه ينأى بنفسه شيئا فشيئا عن السلطة المركزية في بغداد وهو يحظى بحكم ذاتي بينما تتزايد المشاعر القومية بشكل ظاهر رغم موجات النازحين او المهجرين العرب الذين وفدوا الى الاقليم فرارا من التفجيرات والاستهداف وانعدام الامن في مناطقهم.

عندما طرنا من اربيل الى بغداد كانت علا هي من زودنا برقم هاتف صديقتها البغدادية رفل التي كانت تتحدث عنها بمودة ظاهرة واعتزاز بمعرفتها وصداقتها .

رفل لا تخرج من منزلها الا للكلية او السوق وهي تقول إن الانترنت عوضها عن الخروج، لانه مكنها من التواصل مع العالم الخارجي

الا ان رفل لا تذهب الى مقاهي الانترنت في بغداد بسبب المخاوف الامنية وخشيتها من ان تتعرض لتفجير او استهداف، وهي تحظى بخدمة انترنت تزودها بها احدى شركات الانترنت الكثيرة التي دخلت البلاد بقوة.

عندما طلبنا من رفل تصويرها خارج مبنى كلية الطب او في احد مقاهي الانترنت، ترددت في البداية، ثم رفضت بحجة أن ذلك قد يؤدي الى لفت الانظار وبالتالي يجعلها هدفا للمضايقات او الاستهداف، وعرضت علينا زيارتها في منزلها الذي يقع في احد الشوارع الرئيسية الراقية في بغداد.

ورفل لا تخرج من منزلها الا للكلية او السوق وهي تقول إن الانترنت عوضها عن الخروج، لانه مكنها من التواصل مع العالم الخارجي، لكنها تشتكي مثلها مثل الكثيرين من بطء الانترنت وعدم استجابتها في بعض الاحيان ومن انقطاع الكهرباء في اغلب الاحيان.

عندما كنا مع رفل في منزلها، انقطعت الكهرباء عدة مرات، الا ان جهاز الكمبيوتر المحمول الذي يخصها ظل يعمل ومرتبطا بالانترنت وهي تقول:" احرص دائما على ان يظل جهاز اللاب توب مشحونا ومربوطا على الدوام بالكهرباء حتى اظل في الانترنت في حال انقطاع الكهرباء وهي عادة ما تنقطع".

شاكيرا كردستان

اذا كانت رفل قد وجدت في الانترنت عزاء وتسرية لها خلال المرحلة الحرجة التي تمر بها بلادها، فان داشني وهي مغنية كردية عراقية تقيم في المانيا، وجدت في الانترنت منفذا اتاح لها الشهرة في بلادها عموما وفي كردستان خاصة، وكذلك نشر اغانيها عبر موقع "يوتيوب" الشهير، والتواصل مع معجبيها وكذلك منتقديها عبر موقع فيس بوك.

وطبقت شهرة داشني الافاق خاصة في كردستان لدرجة اطلق عليها البعض لقب شاكيرا كردستان بسبب طريقة ادائها ورقصها المشابهة لاداء ورقص المطربة المعروفة شاكيرا، الا انها مع ذلك لا تحظى بذات الانتشار في وسائل الاعلام الكردية المحلية ربما بسبب انتقادات الكثيرين لطريقتها في الرقص او ادائها الغنائي اجمالا.

تقول داشني التي رافقتنا في الجزء الاول من رحلتنا العراقية والذي يختص بكردستان، إن الانترنت ساعدها كثيرا في اختراق ذلك الحصار، حيث اسهم في توصيل اغانيها حتى قبل ان تنتشر البوماتها في محال بيع الاشرطة الموسيقية..

تضيف داشني :" قائمة اصدقائي في "فيس بوك" هي خمسة الاف وهناك ثلاثة الف طلب صداقة آخر في الانتظار لكن "الفيس بوك" لا يسمح بان تزيد قائمة اصدقائك عن خمسة الاف ولا اعرف كيف احل هذه المشكلة".

كما ترون تأتيني رسائل مختلفة.. هذه الرسالة تقول لي إنني اهتم بعرض نفسي وملابسي وهذا لا يمثلنا"، كما ان بعض الرسائل تتهمها بجلب العار للاكراد.

داشني، مغنية كردية عراقية تقيم في المانيا

تقول داشني إنها تتلقى عبر حسابها في "يوتيوب" او "فيس بوك" الكثير من التشجيع من جانب المعجبين، وكذلك الكثير من الانتقادات من البعض الآخر الذي يعبر عن عدم رضائه من طريقة رقصها او كونها تغني بالعربية وتضيف:" اتلقى عشرات الرسائل يوميا بعض هذه الرسائل يبدي الاعجاب بالاغاني التتي اغنيها او بطريقة رقصي او ملبسي والبعض الاخر ينتقدني بعنف باعتبار انني اسيء لصورة الاكراد .. وبعض الرسائل تتضمن كذلك عروضا بالزواج".

واضافت وهي تعرض علينا رسالة تلقتها للتو من احدهم :" كما ترون تأتيني رسائل مختلفة.. هذه الرسالة تقول لي إنني اهتم بعرض نفسي وملابسي وهذا لا يمثلنا"، كما ان بعض الرسائل تتهمها بجلب العار للاكراد.

تواصل داشني بعفوية:" اتلقى التشجيع بحماس واقابل الانتقادات بالصبر والتحمل، لكن والدتي تنزعج للانتقادات وتقول لي لماذا يقول الناس عنك هذا الكلام".

عندما ذهبنا برفقة داشني الى احد مقاهي الانترنت الراقية في اربيل، تقاطر الكثيرون لالقاء التحية عليها او اخذ توقيعها او لالتقاط صورة تذكارية معها، بينما قامت باعطاء علبة زينتها (المكياج) للصبايا الكرديات اللائي تجمهرن حولها.

أكثر الموضوعات تفضيلا

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك