القمة العربية في سرت.. هل هي قمة "جلد الذات"؟

القذافي والملك عبد الله الثاني وبوتفليقة
Image caption القذافي والملك عبد الله الثاني وبوتفليقة

ربما يكون الوصف الأنسب للقمة العربية الثانية والعشرين التي انعقدت في مدينة سرت الليبية هو أنها قمة "جلد الذات"، نظراً لما تضمنته كل الكلمات التي ألقيت من قبل الحاضرين من مراجعات، لم تخل من تحميل المسؤولية عما آل إليه الوضع العربي إلى القادة والجامعة العربية على حد سواء، لدرجة أن العرب لم يتفقوا على أي من الملفات التي تثقل جدول الأعمال، بقدر توافقهم على عدم فاعلية القمة وبقاء قراراتها حبراً على ورق.

مشاريع للنهوض

غالبية الحضور أدلوا بدلوهم في هذا الخصوص في اليوم الأول من أعمال القمة على مستوى القادة، فطالب الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى "بإعادة النظر في مسار النظام العربي ليتماشى مع التطورات والمتطلبات المعاصرة والمستقبلية الإقليمية منها والدولية"، موضحاً أن هذا يتطلب أن "تناقش القمة إستراتيجية العمل في السنوات القادمة في مواجهة التحديات غير المسبوقة التي يواجهها العمل العربي".

وكان أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أكد في كلمته قبل تسليم الرئاسة لليبياعلى أن العمل العربي المشترك يواجه أزمة حقيقية .. مقترحاً تشكيل لجنة اتصال عليا تعمل تحت إشراف رئيس القمة ويكون عليها التقدم إليه بمقترحاتها لحل هذه الأزمة.

وهو الأمر الذي وافقه عليه الزعيم الليبي معمر القذافي الذي أكد عقب تسلمه رئاسة القمة أن "ليس لدى الرئاسة أي شي تستطيع أن تساءل أمير قطر بشأنه أو محاسبته عليه"، والسبب كما يقول القذافي بأن "القمة لم تمنحه الصلاحية الكافية."

لكن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح ذهب في كلمته أبعد من ذلك ، وطالب بإنشاء اتحاد عربي شبيه بالاتحاد الأوروبي والإفريقي، معتبراً أن الجامعة العربية أدت المطلوب منها وان على العرب أن يكونوا "على قدر المسؤولية لمواجهة عدوهم التاريخي المتمثل في الكيان الصهيوني" على حد تعبيره.

اقتراح تلقفه العقيد القذافي سريعاً بالتوجه للرئيس اليمني بالقول "إن اقتراحك حصلت الموافقة عليه من الآن صفقنا مرتين.. وسنناقش تفاصيله."

وأقر لاحقاً تشكيل لجنة من ليبيا واليمن وقطر لدراسة إعادة هيكلة الجامعة العربية.

تفاؤل غير مبرر

لكن هذه الأجواء المفعمة بالتفاؤل، قد لا تعبر بالضرورة عن واقع القمة الذي شابته الكثير من المشاكل.

فالقمة تعقد بغياب ثمانية من أبرز الزعماء العرب، هم قادة مصر والسعودية والمغرب والعراق والبحرين ولبنان والإمارات وسلطنة عمان.

كما شهدت القمة تهديداً بالانسحاب من قبل وفدين رئيسيين هما العراق الذي مثله وزير الخارجية هوشيار زيباري، وهدد بالانسحاب بسبب استقبال العقيد القذافي وفدا من العراقيين المناوئين للعملية السياسية الجديدة في العراق في وقت سبق انعقاد القمة، ونتيجة خلاف بشأن الرئاسة المقبلة للقمة التي يصر العراق على تسلمها، إلا أنه عاد وتراجع بعد إقناعه من قبل نظرائه العرب بأن ستتم تلبية مطالب العراق كاملة بما فيها إقرار الرئاسة على أن يظل مقر الانعقاد غير محدد لوقت لاحق.

وكذا الأمر بالنسبة للرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي علمت بي بي سي بأنه كان توجه بالفعل للمطار عقب الجلسة الافتتاحية لمغادرة القمة، وذلك احتجاجاً على الطريقة التي تم بها التعامل معه، إذ لم يستقبله الرئيس القذافي في المطار خلافاً لكل القادة الآخرين، كما لم يجتمع به عقب وصوله في مقر إقامته.

وأبلغ مصدر فلسطيني بي بي سي بأن عباس تلقى اتصالاً هاتفياً من الزعيم الليبي فأقفل عائداً وأكمل حضور الجلسة المسائية المغلقة.

ورغم أنه تم تجاوز هاتين الأزمتين، إلا أنهما تكشفان هشاشة العلاقات العربية التي تحفل بالكثير من الخلافات.

وغني عن القول أنه لم تجر أي مصالحة من أي نوع كان في أروقة القمة التي كان يفترض أن تشكل فرصة لهذا النوع من المصالحات، كما حدث في قمة الكويت الاقتصادية العام الماضي.

وحتى المصالحة الفلسطينية الفلسطينية لم تحظ بأكثر من فقرة صغيرة من مشروع القرار، تم فيها تثمين الدور المصري والدعوة لاستئنافه.

وليس من الواضح حتى الآن كيف ستسهم المبادرة السورية لإيجاد "آلية لإدارة الخلافات العربية" في تحقيق أي مصالحات بين الدول العربية التي تختلف حتى في أدق التفاصيل.

دعم القدس وعملية السلام

وباستثناء خطة إنقاذ القدس التي يفترض أن تقرها القمة، لا يبدو بحسب مشاريع القرارات بأن القادة العرب سيتخذون أي قرارات حاسمة فيما يتعلق بعملية السلام. إذ يجدد العرب التزامهم بالسلام كخيار استراتيجي كما كان أقر قبل عقد ونصف، بينما ترفض العديد من الدول التلويح بسحب المبادرة العربية للسلام التي كانت أقرت في قمة بيروت عما 2002.

ورغم تأكيد الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بأن لجنة متابعة مبادرة السلام العربية تدرس خيارات بديلة في حال فشل عملية السلام، إلا أنه ليس من الواضح حتى الآن ما هي هذه الخيارات وإلى أي درجة يمكن أن تصل، وسط تباين عربي كبير بين مؤيد للتصعيد ورافض يصر على منح الإدارة الأمريكية برئاسة باراك أوباما مزيدا من الوقت.

وبحسب رأي مراقبين فإن القادة العرب سيخرجون من القمة كما دخلوها، بلا أي جديد، رغم تأكيد الزعيم معمر القذافي أنهم أي الحكام "عموما في وضع لا يُحسدون عليه، لأنهم يواجهون تحديات غير مسبوقة. وإذا تقرر أي شيء لا ترضى عنه الجماهير، لن يُكتب له النجاح، ولن يُحترم، والجماهير ماضية في طريقها؛ طريق التحدي للنظام الرسمي."