صناعة عرق البلح في السودان "مزدهرة" رغم تطبيق الشريعة

معصرة لنبيذ التمر في السودان
Image caption لا يخشى عاصرو عرق البلح من المنافسة الأجنبية

يجلس ثلاثة رجال على حافة سرير وهم يمعنون النظر بينما يتدفق سائل صاف داخل حاوية سعتها 4 لترات.

"قليلا بعد، إنه لم يبلغ بعد رأس الإناء"، يقول أحدهم للشقيقتين اللتين تصبان مشروب "عرق البلح" الكحولي المحظور.

يعرب الرجال الثلاثة عن قلقهم من أن تؤخذ صورهم وسط هذا الكوخ حيث تنقر بضع دجاجات الأرض المتسخة، في إحدى ضواحي العاصمة الخرطوم.

"هذا بلد إسلامي. إذا ما ضبطوك وأنت تشربين خمرا أو شموا فيك رائحة الكحول، فالجلد مصيرك،" يوضح أحدهم. أربعون جلدة هو حد تعاطي الخمر في الشريعة الإسلامية.

وما أن يرضى الرجال الثلاثة عن حجم امتلاء الإناء حتى يسلمون الثمن 30 جنيها سودانيا (حوالي 13 دولارا.)

"إنهم زبائن مداومون يأتون مرة كل أسبوع،" توضح إحدى الشقيقتين بعدما غادر الثلاثة.

ثم تضيف قائلة: "كل زبائننا رجال وعرب، معظمهم عرب."

تشتغل الإثنتان –وتتراوح سناهما بين 15 سنة و 22- في ورشة والدتهما لتقطير العرق يوميا بعد غروب الشمس.

"قلق"

لقد صارت وسيلة لكسب المال بعد فرض الحكم بالشريعة، عام 1983، إبان حكم الرئيس جعفر النميري. وتسيطر النساء من اللائي هربن من مناطق الصراع جنوبي البلاد وغربيها عادة على هذه الصناعة في العاصمة السودانية.

ويصنع المشروب الكحولي -الذي يُشرب عادة صافيا- من التمر المختمر، وينعم السودان بكميات ضخمة منه.

"منذ أن وعينا، ووالدتنا تعصر نبيذا"، توضح الشقيقة الكبرى.

يخلط التمر بالماء والخميرة، ويُترك للاختمار لمدة ثلاثة أيام. بعد ذلك يقطر السائل، لإنتاج 8 لترات في الليلة الواحدة.

وتبيع الأسرة أربع إلى ثماني قنينات أحيانا كل واحدة تحتوي على لترين من نبيذ التمر.

وكل ليلة تخفي الفتاتان المقطرات الثلاث، كما تدفنان براميل الكحول الصغيرة، خارج المنزل.

"يأتي الشرطة مرتين كل أسبوع للتأكد من الكحول،" تقول الشقيقتان.

"نحن قلقتان منهم. لكنهم لا يستطيعون شيئا إذا ما وجدوا شيئا خارج المنزل."

وكانت آخر زيارة قام بها الشرطة اليوم الذي قبل، علما بأن والدتهما ألقي القبض عليها قبل شهر.

"علينا أن ندفع ما بين 150 جنيها سودانيا و250 إذا ما ضبطنا متلبستين."

وقد تغير هذا بعد إعادة انتخاب الرئيس عمر حسن البشير. فقد تعهد خلال حملته الانتخابية الشهر الماضي، بجلد أصحاب معاصر النبيذ.

ويُعتقد أن العديد من أفراد الشرطة فضلوا التغاضي عن صناعة النبيذ سعيا وراء الربح سواء بواسطة الغرامات أو بفضل النبيذ المصادر.

إضافة إلى ذلك، لا يمكن فرض أحكام الشريعة على غير المسلمين من مواطني السودان، وفقا لاتفاق السلام الموقع عام 2005 بين الشمال المسلم والجنوب غير المسلم.

لكن العديد من المسلمين السودانيين يعارضون مبدأ الحظر التام لتعاطي المواد الكحولية في السودان بحجة أن ثقافة البلد الصوفية لا تعارض ذلك.

"أعرف العديد من المسلمين، وهم يشربون الخمر،" يقول بكري وهو زبون مواظب تطوع للترجمة.

ويضيف قائلا: " إن والدي وأعمامي يقيمون الصلاة ويشربون الخمر."

وقد ألقت الشرطة القبض على بكري عدة مرات، وتلقى في المجموع 160 جلدة. وآخر مرة أطلق سراحة بعد أن دفع رشوة.

"أحب احتساء الخمر، لماذا علي أن أحرم نفسي من شربه؟" يتساءل بتحد، مصرا على أن تلتقط له صورة.

ويوضح بكري أن شراء النبيذ مباشرة من عاصريه، أفضل من شرائه من موضع آخر حيث يخلط بالماء.

جاء الرجال الثلاثة من حي الرياض الراقي، لكن زبائن الشقيقتين لا ينتمون فقط إلى الطبقة الوسطى السودانية، فعدد كبير من عمال مصانع الآجر على ضفاف النيل يأتون إليهما للتزود بالعرقي.

ولا تشك الشقيقتان في قدرتهما المنافسة إذا ما تحول السودان إلى بلد علماني.

ويصدق بكري على قولهما مؤكدا أن العرقي قادر على المنافسة ليس فقط لرخص ثمنه، بل لمذاقه "الفريد".