لقاء مع نور زورقي: ما يشغل بالي هو الفشل في تقديم تغطية متوازنة

لقاؤنا في نشرتنا الإلكترونية لشهر مايو/ أيار 2010 مع الزميل نور زورقي المذيع في بي بي سي عربي:

فريق "نقطة حوار" من استوديو في القدس

فريق البرنامج من استوديو في القدس

مجيئي الى لندن في مطلع التسعينيات لدراسة الترجمة كان بهدف اختصار الطريق لتحقيق الحلم! لإضافة شهادة الدبلوم الذي كان سيقتضى ثلاث سنوات في المغرب للحصول عليه ليؤهلني بالانخراط في العمل بالسلك الدبلوماسي.

اثناء هذه الفترة الدراسية تعرفت على زميلنا منير عبيد الذي كان مدرساً في اللغة العربية بجامعة ويستمنستر حيث كنت ادرس ايضاً. كان منير مطلعاً على بعض مساهماتي التلفزيونية في احدى القنوات العالمية التي كنت اتعامل معها في لندن. وعندما تعمقت علاقتي به، اقترح علي التعاون مع بي بي سي عربي. وهكذا كانت بداية علاقتي مع الـ بي بي سي!

بصفتي طالب لم يحق لي العمل بشكل دائم حتى بعد تخرجي في عام 93، وفي هذه السنة اصبحت موظفاً رسمياً في اذاعة بي بي سي عربي. في هذه الفترة ظهرت في الـ بي بي سي نظرية مفهوم تعدد المواهب – all rounder – في العمل الاذاعي. بمعنى انه يتطلب من المرء ان يعمل في اكثر من مجال يجمع بين الاخراج، والاعداد والتقديم اذا استوفى شروط العمل. علمتني هذه التجربة حرفة العمل الاذاعي. وبالتالي معظم البرامج التي افتخرانني عملت بها في الـ بي بي سي العربي عملت عليهاً اعداداً واخراجاً وتقديماً.

أقدم الجولات الاخبارية في الراديو في الفترة ما بين 3 -10 صباحاً بتوقيت غرينتش، الوقت الذي يمثل ذروة الاستماع في العالم العربي. هذه الفترة الصباحية مهمة جداً للجمهور العربي، فهي بداية يوم جديد في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا واماكن مختلفة في العالم. لذلك يحرص القائمون على هذه الفترة الصباحية على التركيز المشدد على مواكبة الاحداث كما تقع.

وفي هذه الجولة الاخبارية نقوم باجراء العديد من المقابلات الحيٌة مع مراسلينا ومع الشخصيات التي هي في صلب الاحداث.

كمقدم اخبار في هذه الفترة الصباحية يتطلب تناولاً مختلفاً في الاداء. فمعظم الناس تستيقظ عادة بأقبال لبدء يوم جديد، والاخبار في ايامنا هذه لا توحي بالكثير من التفاؤل! كيفية نقل الاخبار غير السارة الى المتلقي بطريقة هادئة في بداية يومه آخذين بعين الاعتبار مدى تأثير الاحداث التي ننقلها في على حياة المتلقي هو التحدي بعينه!

عملت عبر السنوات في برامج اذاعية عديدة ومتنوعة منها: برنامج "المجلة الرياضية" و"مشاهد واحداث"، والأخيرة هي مجلة يومية غير سياسية تهتم بشؤون الساعة، الى جانب برنامج "ندوة المستمعين" الذي مر على انقطاعه حوالي 15 سنة!

."لاستخدام هذا الملف لابد من تشغيل برنامج النصوص "جافا"، واحدث الاصدارات من برنامج "فلاش بلاير

يمكن التنشغيل باستخدام برنامج "ريال بلاير"، او "ويندوز ميديا بلاير

كان هذا البرنامج من البرامج العتيدة، استمر بثه لمدة 40 سنة تناوب وتعاقب على تقديمه أجيال من الاذاعيين. وهو من البرامج الذي منح بي بي سي عربي هويتها. وكان اشهر مقدمي هذا البرنامج رشاد رمضان الذي ينتمي الى ذلك الجيل الصرح الذي بنى بي بي سي العربي، ومن نقل خبراتهم عبر الاجيال التي تلتهم. اذكر منير عبيد، وعبلة الخماش، مديحة المدفعي، أفتين قريطم. وغيرهم الكثيرون! هم الرعيل الاول الذي علمنا الكثير، وسأظل مديناً لهم كثيراً ما حييت.

كان هذا البرنامج سابقاً لعصره لانه كان تجسيداً لمفهوم البرنامج التفاعلي المتعارف عليه الآن. كان المستمعون يرسلون مشاركات مختلفة منها خواطر، أبيات منتقاة من الشعر أو التراث، مشاركات دينية وحتى الطرائف. مساهمات الجمهور هي مادة وموضوع البرنامج. واذا كانت الطرفة المرسلة الينا تقتضي التمثيل يقوم فريق الندوة المتكون من اربعة بتمثيلها. تنوع الاصوات كان انعكاساً للتنوع في العالم العربي، وفي اعتقادي كان شيئاً مهماً لنجاح البرنامج وتقريب المستمع الينا كثيراً.

الزملاء الذين عملت معهم في اغلب الاوقات في هذه الفترة كانوا: سامية الاطرش، سلوى الجراح، وفاروق الدمرداش. وكان يتناوب على تقديم هذا البرنامج الكثير من الزملاء يضيق المقام الآن لحصرهم بالاسم.

"ملفات الحرب الباردة"

من البرامج الاخرى الذي عملت على اعدادها وتقديمها كان برنامج "ملفات الحرب الباردة". سعدت جداً في العمل على هذا البرنامج لانني اعشق التاريخ المعاصر والتنقيب فيه. استندت في اعداد هذا البرنامج على المواد الاخبارية التي كانت متوافرة لدينا في الـ بي بي سي – المواد المكتوبة والصوتية المؤرشفة للنشرات والتقارير الاخبارية الاذاعية– مما نال استحسان المستمعين الذين ما يزالون يسألوا عن هذا البرنامج.

كانت فترة الحرب الباردة حقبة زمنية يكتنفها الكثير من الغموض، لان ما عرفه الناس لم يكن الا الشيء القليل مما اعتملت به هذه المرحلة. البشرية بأجمعها كانت عرضة لخطر محدق، لحرب أخطر من حروب الدنيا بأجمعها. كيف تمكن القطبين: المعسكريان السوفييتي والغربي من الحفاظ على ذلك التوازن وتلك المعادلة، في حين كان يملك كل من الطرفين ترسانةً نوويةً مدمرة قادرةً ليس فقط على تدمير الخصم بل عملياً تدمير العالم بأكمله! بحسب نظرية mutually assured destruction.

هذه كانت احدى التساؤلات الكثيرة الذي تناولها هذا البرنامج المتكون من 38 حلقة ، والذي تم بثه على مدى 38 اسبوعاً. كنا نسلط الاضواء في كل حلقة على احداث معينة وقعت اثناء فترة الحرب الباردة.

ومما اسعدني اكثر تكرم زميلنا العزيز علي أسعد، الذي كان وشك مغادرتنا للعودة الى موطنه في الاردن، بتقديم جزء لابأس به من هذا البرنامج.

ومن الردود التي وصلتنا من المستمعين آنذاك حول سلسلة "ملفات الحرب الباردة" يبدو ان هذا البرنامج ساعد المستمعين على استدراك مدى التأثير– المباشر او غير مباشر- للاحداث على حياتهم. وسهلت استيعاب تسلسل الاحداث التي ادت في نهاية المطاف الى سقوط جدار برلين والستار الحديدي. وبالتالي اتضحت لديهم صورة أوروبا بتاريخها وانظمتها الديمقراطية كما نعرفها الآن، بغياب القطب السوفييتي وعالم بات وحيد القطب.

وبمناسبة الالفية الجديدة كان هنالك ايضاً برنامج بعنوان "لحظات حاسمة" حيث اخترنا عشرين حدثاً اثر على مسار تاريخ البشرية، كالحرب العالمية الاولى التي لم تغيير فقط خريطة أوروبا وانما غيرت خريطة الشرق الاوسط بأكمله! كما اخترنا قضية السباق على التسلح، وغزو الفضاء وغيرها من الاحداث التي اثرت على حياة البشرية. تحدثنا ايضاً عن مسيرة غاندي عن المقاومة السلمية البعيدة عن العنف.

قمت ايضاً تغطيات كثيرة تحضرني منها رحيل الملك حسن الثاني والانتخابات الاردنية الاخيرة قبل رحيل الملك الحسين بن طلال.

من الراديو الى التلفزيون

في أي مهنة يحتاج المرء ان يخوض تجربة جديدة تضعه في مواجهة تحدي جديد يوسع نطاق خبرته وقدراته المهنية. التلفزيون هي الوسيلة السائدة في عصرنا هذه، وهناك تحد كبير يتمحور حول ضرورة أن يسعى الاعلامي دائماً على التواصل ومواكبة التغييرات.

كان لدي خبرة مسبقة امام الشاشة – وان كانت محدودة - اثناء الفترة الدراسية في لندن، تطورت بعدها اثناء الانطلاقة الاولى للتلفزيون بي بي سي العربي عام 94-1996. أحببت خوض هذه التجربة ثانية عبر برنامج "نقطة حوار" الذي نشأ وترعرع في الموقع الإلكتروني وراديو بي بي سي عربي قبل أن ينتقل الى الشاشة الصغيرة. وعندما ولدت فكرة انتاج نسخة منه للتلفزيون شكلت هذه النقلة تحدياً كبيراً على كافة طاقم البرنامج.

الجمهور لا يعرف الكثير عن البرنامج غير وجه مقدم البرنامج. وواقع الامر ان المقدم ليس الا جزء بسيط في فريق عمل متكامل يجتهد لمدة طويلة في الاعداد والتحضير والتغيير قبل وصول البرنامج الى شكله الحالي.

"نقطة حوار" هو قصة نجاح فريق كامل في حمل فكرة هذا البرنامج من الراديو ليجعله برنامجاً تلفزيونياً متميزاً -خاصة من ناحية جدية الحوار- لا مثيل له على أية شاشة عربية.

بالرغم من ان الكثير حاول تقليده، غير ان الحرية المطلقة الذي يملكه هذا البرنامج في افساح المجال للمتحاورين حرية التعبير عن آرائهم دون أي قيد او شرط هو جوهر نجاح البرنامج.

نور زورقي في القدس

نور زورقي في القدس

الجمهور هو الذي يبدا بالحوار الكترونياً عبر مساهماته عبر صفحات موقعنا وهو الذي يختار المساهمة بالبرنامج عبر الراديو او التلفزيون ان شاء. برنامج "نقطة حوار" هو برنامج من المتحاورين واليهم. والخلاصة كأحد مقدمي هذا البرنامج: كل ما نعمله هو ادارة الحوار وفقاً لأصول التوازن والموضوعية لاتاحة مجال التعبير للرأي والرأي الأخر.

عملنا برامج من نقطة حوار قبل عصر التلفزيون، في عواصم مختلفة وكانت تحت شعار "مستقبلك من يقرره" كان احدى الحلقات في دمشق. سألنا المتحاورين "مستقبلك من يقرره" في وقت كانت سوريا في بداية انفتاحها على العالم.

لم نواجه الكثير من العراقيل في الحصول على الموافقات المطلوبة من السلطات السورية لتسجيل هذا البرنامج في جامعة دمشق وبمشاركة حشد كبير من الطلبة السوريين. تمكنا ايضاً ان نشرك في هذه الحلقة عدداً من المسؤولين والوزراء والاكاديميين الخبراء ايضاً. ما اثار دهشتي فجأة دخول احد الوزراء الذي لم نكن قد دعيناه وتوسط الجلسة. كان هذا اصعب المواقف لي.

السوريين كانوا يريدون ان يقولوا " نعم نحن بلد منفتح! " لكن حضور بدون دعوة كان شيئاً غير متوقع وبمثابة رمى الكرة في ملعب الـ بي بي سي. انا وزميلي مخرج "نقطة حوار" أحمد مجاهد اتفقنا على أن البرنامج هو تحد، خاصة اذا تعلق الأمر بمسؤول، وبالتالي كان علينا التعامل مع الوضع!


البرامج الاخرى

اقوم كذلك بالترجمة الفورية لبعض الخطابات المهمة كخطاب باراك أوباما في جامعة القاهرة. كان هذا الخطاب طويلاً ومثل تحدياً كبيراً لي،رغم مؤهلاتي في هذا المجال. لم يكشف النقاب عن نص الخطاب الا دقائق معدودة قبيل البث ولم املك من الوقت للتحضير الا للتصفح بسرعة قبل البدء بترجمته فورياً . كان يدرك أوباما جيداً انه يتحدث الى جمهور مختلف الذي قال فيه انه أسس في سبيله حقبة جديدة للتعامل مع العالم الاسلامي.

المطبات على الهواء لا حصر لها ولا عد لست ادري! كثيرة.. اجمل ما فيها بالرغم من الازعاج الذي يسببه للمقدم ومخرج البرنامج الشيء الذي لا ينتبه اليه الكثيرون وهي انه نحن بشر وعرضة بالتالي للاخطاء. وكثيراً ما تلقينا رسائل ارتياح من جمهورنا لاحساسهم بأننا في النهاية بشر.

العمل الصحفي .. تحديات ومصاعب

العمل الاعلامي لا يخلو من مخاطر. الصحفي في الـ بي بي سي يتلقى تدريباً حول كيفية التعامل في مواقف قد يكون الخطر قائماً. لم اواجه مواقف خطرة في مسيرة عملي الصحفي، غير انني اعتقد ان الخطر الكبير الذي يشغل بالي دائماً هو الفشل في تقديم تغطية متوازنة والوصول الى جميع اطراف القضية. هذا في نظري الخطر الاكبر بالسنبة لي كصحفي.

هناك تحديات كبيرة تواجه العمل الاعلامي بسبب ازدحام الساحة الاعلامية وكثرة الخيارات وحجم المنافسة الضارية، ما يضع اعباء وتحديات كثيرة على الاعلامي.

العمل الصحفي عموماً لا يحسد عليه كما يقال! اما عن العمل في الـ بي بي سي فحدث لا حرج! لان الـ بي بي بي سي ليست مثل أي وسيلة اعلام اخرى. فهي ليست طرفاً في أي حدث و ان كانت في صلبه من خلال تغطيتها له. والضغط عليها اكثر من غيرها لنقل وجهة النظر الاخرى دائماً. الـ بي بي سي ظلت لحقبة طويلة محتكرة التغطية الاعلامية الموضوعية. كان الناس عندما يتوهون بحثاً عن حقيقة خبر ما في العالم العربي من أقصاه الى أقصاه - يقولون: ماذا قالت لندن؟

نحن نعيش في زمن اتسعت فيه مجال حرية الرأي وحرية الاعلام في العالم العربي، وكثرت الخيارات وحتى طبيعة الاخبار المطلوبة وفق التغيرات في لمشهد الدولي. في ايام الحرب الباردة كانت السياسة هي المهيمنة على الاخبار. لم يعد اهتمام الناس الآن منصباً على السياسة الدولية تماماً مثلما كان عليه الحال قبل 25 سنة، بل بات اهتمامهم يتمحور اكثر على الشأن الداخلي، خاصة بوجود المحطات المحلية المتزايدة في البلدان العربية.

فبات التفكير بتقديم الجديد غير المتوفر للمتلقي هو الشاغل اليومي. أما مسألة حرية الرأي وحرية التعبير فاصبح افضل كثيراً في العالم العربي عما كانت عليه سابقاً. وبالتالي التحدي! ما هو الشيء الذي بأمكاننا ان نقدمه لا يستطيع الاعلام البديل تقديمه: هذا هو اكبر تحدي.

كلي لأمل بالمواهب الشابة الصاعدة والطاقات الجديدة. فكل جيل يعطي على قدر طاقاته ويسلم الأمانة للجيل التالي.

الفرح بقدوم فرح

بحلول نهاية 2008 كنت قد بدأت الاستعداد ذهنياً وعاطفياً ومادياً أيضاً لبدء إبنتي البكر دراستها الجامعية في خريف 2010. وكنت أغالب إحساسا ملحاً بفراق - حتى لا أقول فقدان- طفلتي الوحيدة التي ستتخطى عتبة المراهقة إلى مرحلة أخرى في حياتها.

ما لم يدر بخلدي، هو هدية من الله ومن زوجتي في عيد زواجنا العشرين، ورزقت بصغرى أولادي بنيّة سميتها "فرح"- من فرط الفرح الذي غمرني وغمر شقيقتها وشقيقها بها- لا زلت إلى الآن بعد أحد عشر شهراً على ميلادها لا أصدق أحياناً أنني وُهبت طفلة صغيرة بعد ثماني عشرة سنة على ميلاد أولى بناتي، أما الرابطة التي نمت بيني وبينها فلا يعلو عليها شيء.


شهادة في شؤون العلاقات الدولية والقانون الدولي، وبكالوريوس في الآداب العصرية مزدوجة اللغة -عربي وفرنسي، انتقل بعدها لدراسة العلاقات الدولية والعمل في مجال الاعلام.

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك