إيران وآفاق العقوبات الجديدة

زعماء ايران وتركيا والبرازيل
Image caption الاتفاق الثلاثي زاد من الخلافات الدولية

فجأة، وبعد شهور على بلوغها طريقا مسدود، عادت الحياة إلى المواجهة الدبلوماسية مع إيران حيال برنامجها النووي.

فقد وقعت إيران الاثنين اتفاقا مع البرازيل وتركيا، يتم بموجبه شحن كميات كبيرة من مخزون ايران من اليورانيوم المخصب إلى تركيا، مقابل الحصول على وقود جديد، يستخدم في مفاعل طهران للبحوث.

واعتبرت هذه الخطوة، على نطاق واسع، آخر مسعى للرئيس الايراني محمود احمدي نجاد من اجل الضغط باتجاه تجنب عقوبات جديدة، مما قد يشكل ضربة دبلوماسية ربما تحرّره من الشبكة المحيطة به.

رغم ذلك، اعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون عن توصل الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن الى اتفاق على مسودة لعقوبات جديدة اشد.

ولم يتضح بعد ما اذا كانت الدول العشرة غير دائمة العضوية في المجلس ستدعم المسودة، ومن بينها البرازيل وتركيا، اللتين لا تريان مبررا لعقوبات في المرحلة الراهنة.

لكن تعليقات كلينتون تشدد على ان الدعم الثمين الذي نالته العقوبات من الصين وروسيا تفوق على محاولات اضعاف الموقف الغربي التي قام بها احمدي نجاد.

وفيما دعا رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان العالم الى منح الاتفاق فرصة، حذر في الوقت ايران من انها ستصبح "وحيدة" اذا لم تسلم اليورانيوم المخصب في غضون شهر وفق الاتفاق.

عرقلة جهود

وينتقد مراقبون تحرك واشنطن باتجاه العقوبات، لكن الناطق باسم الخارجية الأميركية بدا واثقا من عدم وجود عراقيل تمنع فرض عقوبات جديدة، سوى تجميد ايران نشاطات تخصيب اليورانيوم.

وقال مسؤول أمريكي بارز ان المفاوضات المتعلقة بتبادل الوقود المخصب تجرى على "مسار مختلف" عن مسار المحادثات المتعلقة بالعقوبات، والاتفاق المبرم مع البرازيل وتركيا "تجاوز الهدف بدرجة كبيرة".

وقد تشعر تركيا والبرازيل بخيبة من أن رد كلينتون السريع يعرقل جهودهما للوصول الى حل دبلوماسي.

وتسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى فرض عقوبات على ايران بأي ثمن. وان اي اشارة الى نية لتجميد العقوبات قد تؤدي الى انهيار التحالف الذي جهدت واشنطن لتحقيقه.

وقد يخشى الغرب من أن يرغم ايضا على اعطاء ايران فرصة لاستغلال الوقت، وقد يجادل بعضهم بأن الاتفاق الأخير لم يتحقق سوى في ظل التهديد بالعقوبات.

أسئلة

يقود الاتفاق بحد ذاته إلى أسئلة بلا اجابات، حيث اشار معهد العلوم والأمن الدولي (آي اس آي اس)، وهو مركز ابحاث مقره واشنطن، الى ما يعتبر بديهيا: ماذا سيحل باليورانيوم الايراني المخصب، بعد شحنه إلى تركيا، وعندما تحصل ايران على الوقود لمفاعلها.

وفقاً للاتفاق الأساسي الذي تم التوصل اليه في جنيف في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، يتم تدوير الوقود القليل التخصيب إلى آخر عالي التخصيب، يستخدم في المفاعل الإيراني للبحوث.

ويقتضي الاتفاق أن يتم ذلك في تركيا وحدها، بينما توفر فرنسا الوقود الحديث الاستخراج لمفاعل البحوث.

وما من إشارة في الاتفاق الى ما إذا كانت إيران ستستعيد اليورانيوم المنخفض التخصيب.

ولفت المعهد أيضا إلى أن الحال تبدل منذ اتفاق أكتوبر، ففي ذلك الوقت، بلغ مخزون إيران من اليورانيوم نحو ألف ومئتي كيلوجرام.

ويقتضي شحن هذه الكمية إلى الخارج بهدف التخصيب إجراءات أمنية عالية، تضمن عدم استخدامها لصنع قنبلة نووية.

ومنذ ذلك التاريخ انهمكت ايران بالتخصيب، ليقدر حجم مخزونها الحالي بنحو ألفي كيلوغرام من اليورانيوم المخصب.

وماذا سيحل باليورانيوم عالي التخصيب، بدرجة 20 في المئة، الذي تقول إيران إنها تنتجه لاستخدامه في مفاعل طهران.

وثمة سؤال جوهري آخر عما إذا كان الرئيس محمود أحمدي نجاد قادر فعلا على الالتزام بالاتفاق.

فقد فشلت محاولتان سابقتان للتوصل الى اتفاق مماثل، بعدما تعرض احمدي نجاد لانتقادات في بلاده.

وشكل ذلك دليلا واضحا على ضعف مكانته السياسية محليا، بعد الجدل الذي أعقب انتخابات الصيف الماضي.

لكن رد فعل الصحف المتشدد جاء هذه المرة أقل سلبيةً، وان بنسب مختلفة. وروّج وزراء خارجية ايران والبرازيل وتركيا للاتفاق.

وكتبت صحيفة "جمهوري إسلامي" المتشددة والداعمة للمرشد الأعلى علي خامنئي، قائلة ان الاتفاق يشكل "تراجعاً واضحاً عن الاستراتيجية الايرانية المعلنة".

وأضافت: "هذا الإعلان لا يشكل نصرا لإيران، بل تراجعاً واضحا أمام مطالبات الغرب، ولن ترضى الجمهورية الاسلامية الايرانية بذلك".

في المقابل، اعتبرت صحيفة "كيهان"، المقربة أيضا من المرشد الأعلى، أن إيران لم تتراجع بعد، وإنما "كسبت ضمانة موضوعية كانت تبحث عنها".

إذا، حتى المتشددين في إيران بدلوا مسارهم، ويمكن توقع أن تزيد حدة الانقسام عند يقترب موعد ارسال ايران اليورانيوم الى الخارج للتخصيب، ولاسيما إذا بقيت العقوبات على مسارها.

وربما يكون أحمدي نجاد يناور، مع الوصول إلى اتفاق لا يرى أنه سيلتزم به يوما. وفي هذه الحالة، قد ترى واشنطن أن أفضل ما يمكنها فعله هو الموافقة على الاتفاق.

التوقيت

في غضون ذلك، أبدى المسؤولون الأمريكيون في نيويورك ثقة بأنهم يملكون الأصوات المطلوبة لفرض عقوبات جديدة، أي أنهم يملكون دعم تسعة أعضاء في مجلس الأمن، ولن يواجهوا أي نقض (فيتو) من قبل الدول الدائمة العضوية، عند التصويت.

ولطالما شدد المسؤولون الغربيون على الحاجة إلى أكبر قدر من الدعم، بهدف إرسال أقوى رسالة ممكنة لطهران.

الامتناع عن التصويت أو التصويت من قبل دول قوية كتركيا أو البرازيل قد يكون مضرا للغاية.

وهناك مسألة أخرى تتعلق بالتوقيت، فقد سادت توقعات بأن التصويت لن يتم هذا الشهر، مع تولي لبنان الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، نظراً لتأثير انصار حزب الله المقرب من ايران في لبنان.

وفي حال تم التأجيل إلى يونيو/ حزيران، سيتوجب على الأمريكيين تحديد ما إذا كان التصويت سيكون مفيداً في أيام دقيقة تسبق الذكرى السنوية الأولى لإعادة انتخاب أحمدي نجاد رئيسا لإيران، والموافق 12 يونيو.

لذا، فإن الاتفاق الذي وضع أساساً كإجراء لبناء الثقة، يهدد بأن يصبح مصدرا لجدل مرير بين إيران والغرب.