قرية المريس في الأقصر: خسائر التهجير ومكاسب التطوير

."لاستخدام هذا الملف لابد من تشغيل برنامج النصوص "جافا"، واحدث الاصدارات من برنامج "فلاش بلاير

يمكن التنشغيل باستخدام برنامج "ريال بلاير"، او "ويندوز ميديا بلاير

من الوهلة الأولى لا يبدو نمط الحياة في قرية المريس التابعة لمحافظة الأقصر مختلفا عن مثيله في قرى أخرى بصعيد مصر.

الفرق أن السكان هنا لا ينشغلون فقط بالمشكلات الحياتية المعتادة، بل بمشكلة أخرى تهدد إستمرارهم على أرض أبائهم وأجدادهم. والسبب: قرارٌ من رئيس الوزراء بنزع ملكية 500 فدان وإزالة قرابة ألفين من منازلها ، لتحويلها إلى مرسى بطول أربعة كيلومترات للسفن السياحية التي تقصد الأقصر!

يقابل أهلُ المريس القرارَ بالرفض، ولا يقبلون البديل الذي تعرضه الحكومة، وهو تعويضهم بأراض في الظهير الصحراوي للقرية وتمليكهم مساكن حديثة!

المواجهة مستمرة

كان مؤشر الحرارة يشير إلى 52 درجة مئوية عندما دقت الساعة لتعلن تمام الرابعة بعد الظهر، موعد لقائنا مع بعض سكان القرية.

إضطررنا إلى تحديد مكان اللقاء في أحد المطاعم السياحية على أطراف مدينة الأقصر، لنتفادى ملاحقة رجال الأمن الذين يتابعون الصحفيين والإعلاميين بطريقة تضيق عليهم إمكانية العمل بحرية!

في الطريق إلى القرية أكد لنا أحد أبنائها أن مشوار المواجهة مع القرار الحكومي بنزع أراضيهم عمره ثلاث سنوات، وأن جميع سكان القرية مصممون على السير فيه حتى النهاية!

أما عيسى درويش وهو مدرس ومالك لبضعة أفدنة زراعية فيقول: "نحن نرفض التعويضات من حيث المبدأ ولا نفكر فيها، لأننا في الأصل نرفض بيع أو تسليم أرضنا!)

مستقبل غامض

لا حديث في المريس إلا عن مستقبل غامض ينتظر أكثر من عشرة آلاف نسمة هم سكان القرية. يتداول ناشطون منهم آخر تطورات الدعاوى التي أقاموها أمام محكمة القضاء الإداري ضد الحكومة. يلتقط إيهاب حسن وهو من شباب القرية خيط الحديث، معتبرا أن تهجير الأهالي إلى مناطق نائية يعني قطع أرزاقهم، باعتبار أن معظمهم يعمل في الزراعة ويتساءل بلهجة ساخرة "هل إنشاء مشاريع سياحية مبررلإرغام المواطنين على ترك أراضيهم؟!"

ويضيف "لو أرادت الدولة الحصول على هذه الأراضي لإقامة قاعدة عسكرية أو تشييد كوبري أو أي من مشروعات المنافع العامة لقدمنا لها ما تريد مجانا. منْ منا يرفض خدمة البلد؟!".

ويعدد إيهاب الأضرار التي ستلحق بأهل القرية وهي برأيه "تشريد 2000 أسرة ، و فقدان 500 فدان من أجود الأراضي الزراعية المثمرة ، إضافة الى التفكك الإجتماعي لسكان القرية. كل ذلك من أجل حل مشكلة 180 سفينة عائمة يمكن للحكومة بسهولة إختيار مكان آخر لتقيم عليها المرسى!".

أما أم عبد العزيز التي تقترب من عامها الخامس والتسعين، فتفصح عن سبب تمسكها بالبقاء في المريس وتقول: "أرضنا تمنحنا التين والمانجو والجوافة وكل شىء. وبالإضافة إلى ذلك أنا تعودت أن أصلي الصبح ثم أنظر إلى النيل بجوار منزلي. لو حرمت من النظر إلى النيل فكأني أحرم من النظر إلى أولادي وأحفادي. طلعت إلى الدنيا ووجدت نفسي مرتبطة بالنيل ولا أقدر البعاد عنه!".

المحافظ وخطة التطوير

يتفهم محافظ الأقصر الدكتور سمير فرج وجهة نظر سكان المريس، ويلمح إلى إمكانية إيجاد أماكن أخرى لإنشاء المرسى، لكنه يتمسك عموما بسياسة تدعو إلى تطوير المدينة ذات الشهرة العالمية، بغض النظر عن المعارضة التي تلقاها أحيانا تلك السياسة.

هكذا تعود هذا الرجل طوال مشواره الوظيفي الذي بدأه في القوات المسلحة المصرية ثم إنتقل منها ليرأس دار الأوبرا وبعدها تقلد منصب رئيس المجلس الأعلى لمدينة الأقصر إلى أن أصبح أول محافظ لها بعد أن تحولت في نهاية العام الماضي إلى محافظة بقرار جمهوري!.

إلتقيت بالدكتور فرج في معبد الكرنك. وكان يشير بفخر إلى أفواج السياح الذين جاءوا إلى المعبد رغم الحرارة التي تعدت درجتها 50 درجة مئوية!

وقال لـ بي بي سي ردا عن سؤال حول أبعاد قضية المريس "إن أي تطوير بلا شك له ضحايا. لكننا نحرص على الأ يُظلم أحد!. في الوقت نفسه لا نستطيع تعويض الشق النفسي في القضية. من الطبيعي أن يحزن ساكن البيت الذي تربى فيه وعاش عشرات السنين بين جدرانه عندما تعرض عليه بيتا آخر حتى لو كان البديل أفضل!

ويضبف: "لقد عرضنا على أصحاب الأراضي في المريس أكثر من نصف مليون جنيه للفدان الواحد وهو ما لم يحدث من قبل في تاريخ التعويضات بين الحكومة والأهالي!".

هل من بديل؟

يلمح المحافظ إلى إمكانية البحث عن بدائل لمشروع المرسى بعيدا عن قرية المريس، لكنه يعود للتأكيد على أن الفيصل في الأمر هو المصلحة العامة للوطن وتطوير الأقصر وخدمة المواطن!

بالمنطق ذاته تم توسيع ساحة معبد الكرنك الشهير، ونقل سكان منطقة القرنة الأثرية، والدور على ما يبدو يقترب حثيثا من قرية المريس التي ربما يفقد سكانها وداعة ومتعة الحياة قرب نهر النيل، إلا إذا تطورت الأمور لصالحهم بحكم من المحكمة أو بقرار من رئيس الجمهورية!

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك