الحرب التركية الكردية تشتعل من جديد

مظاهرات كردية في تركيا
Image caption عادت التوترات بين الاتراك والاكراد في الفترة الاخيرة

اعلن رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان منذ عام انه يعد لخطة هدفها انهاء الحرب مع المتمردين الاكراد التابعين لحزب العمال الكردستاني والتي ادت حتى الآن الى مقتل اكثر من 40 الف شخص.

ولكن الوضع الآن لا يسير في هذا الاتجاه اذ ادت عمليات نفذها حزب العمال الكردستاني مؤخرا الى اعادة اشعال النزاع ومقتل 50 جنديا تركيا على الاقل وافتعال رد فعل عسكري تركي تمثل بشن غارات مضادة منها جوية على شمالي العراق.

وكان اردوغان قد قال في شهر اغسطس/ آب الماضي بعد لقائه رئيس حزب المجتمع الديمقراطي وهو الحزب الكردي الرئيسي في تركيا ان "الامة التركية تحتاج الى الوحدة لا الى المزيد من نحيب الامهاء والدماء والقتل".

وكانت هذه المرة الاولى التي تعد فيها حكومة تركية بانهاء النزاع القائم جنوب شرقي البلاد بالسبل السلمية.

ومنذ ذلك الحين جرى كلام عن انهاء حالة الحظر المفروضة على استخدام اللغة الكردية وعلى عمل بعض المنظمات الخيرية والانسانية في ما وصف حينها بفتح صفحة جديدة بين الدولة التركية والاكراد الذين يشكلون اكبر اقلية في البلاد.

ولكن حتى شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي لم تتقدم الحكومة "بأي خطة محددة كما تقول"، حسبما تقول مايا اراكون الاستاذة المحاضرة في جامعة يديتيبي في اسطنبول، والتي تضيف بأن "الخطة اسقطت فجأة بعد عودة اردوغان من واشنطن ولقائه الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي وضعه في صورة خطة الانسحاب العسكرية الامريكية من العراق عام 2011".

وطلب اوباما من تركيا الاستعداد للمساهمة في الحفاظ على الامن في المنطقة بعد مغادرة الجيش الامريكي ما اضاف الضغط على انقرة في ما يتعلق بحل النزاعات في المنطقة.

ويذكر ان الهجمات التي يشنها المتمردون الاكراد جنوب شرقي البلاد غالبا ما ينفذها مسلحون من حزب العمال يتمركزون شمالي العراق.

وقد دعا اردوغان المعارضة التركية المؤلفة من الحزبين الوطنيين الرئيسيين للاشتراك معه في صياغة مبادرة حيال الاكراد اسماها "الانفتاح الديمقراطي"، الا انهم رفضوا ما اسموه "بيعهم الى الارهابيين".

وتضيف اراكون ان "المعارضة التركية لم تفكر الا بمناصريها عندما راحت ترفض اي مشروع او مبادرة تتقدم بها الحكومة".

ولكن اعلان حزب العمال الكردستاني لاحقا انه سيرسل من شمالي العراق 30 شخصا من بينهم 8 مقاتلين في شهر اكتوبر/ تشرين الاول الماضي لاختبار نوايا الحكومة اعطى المعارضة الوطنية فرصة ذهبية للتهجم على المقترح الحكومي.

وكان عبد الله اوجلان، زعيم حزب العمال المسجون في تركيا قد هدد مؤخرا باطلاق "خارطة طريق" خاصة بحزبه، وذلك بعد اعلان الحكومة التركية نيتها اطلاق المبادرة الديمقراطية.

وعلى الرغم من نية الحكومة عزل المتمردين من خلال مبادرتها، الا ان حزب العمال حاول اختبار هذه المبادرة ونوايا الحكومة، ولدى عبور المتمردين الاكراد الحدود ووصولهم الى مدينة ديار بكر حيث استقبلوا كأبطال، لم تقم القوات الحكومية باعتقالهم، وهي ردة الفعل الاعتيادية والمتوقعة من قبل السلطات حيال المتمردين.

ولكن الاستقبال الذي حصل عليه هؤلاء وعدم اعتقالهم ادى الى ردة فعل غاضبة في اوساط المعارضة الوطنية التركية والمتقاعدين في الجيش اذ اتهموا حزب العمال الكردستاني بالاستهزاء بذكرى الجنود الاتراك الذين قتلوا في النزاع مع المتمردين الاكراد.

وتجدر الاشارة الى ان الاتراك اعتادوا على النظر الى حزب العمال الكردستاني، الذي تضعه ايضا كل من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على قائمة المنظمات الارهابية، على انه "ارهابي وبربري".

وانطلاقا من هذا الشعور المنتشر في المجتمع التركي، يصعب تخيل قبول اي حكومة تركية بأن يكون حزب العمال، كما يطالب، المفاوض الرئيسي للاكراد في اي مباحثات حول حل النزاع.

وانطلاقا من هذه المعادلة، جاء المقترح الذي قدمه اردوغان الى البرلمان في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي يقتصر على العموميات ولا يعالج التفاصيل المهمة.

Image caption عبد الله اوجلان مسجون في تركيا

في موازاة ذلك، وبعد نحو شهر من تقدمه بالمقترح، اصدرت المحكمة الدستورية التركية حكما بحظر حزب المجتمع الديمقراطي بسبب "علاقاته مع حزب العمال الكردستاني". وادى هذا الحكم الى حملة اعتقالات طالت مسؤولين اكراد محليين.

وادى شريط الاحداث هذا الى عودة الامور الى ما كانت عليه، اي عودة الاكراد الى مواقفهم السابقة من الحكومة، وفي هذا السياق يقول النائب في البرلمان التركي عن حزب المجتمع الديمقراطي ان |المبادرة الديمقراطية انتهت".

انجاز

بالاضافة الى ذلك، وبعد ان كان حزب العمال قد اعلن وقفا لاطلاق النار في ابريل/ نيسان 2009، عاد مقاتلوه لتنفيذ هجمات ضد مواقع عسكرية تركية، واعلن اوجلان من سجنه في 31 مايو/ ايار الماضي ان "وقف اطلاق النار انتهى وان لا امل في اي حوار مع الحكومة التركية".

وتعليقا على موقف حزب العمال، يقول اوميت فيرات احد كبار المثقفين الاكراد ان "قيادة حزب العمال حاليا مؤلفة حصرا من صقور، لا يعرفون سوى القتال ولا يريدون ان يخسر الحزب شعبيته لصالح الحزب الحاكم وهم يريدون ان يشعر الجميع بقوتهم وفعاليتهم".

وفي الاسابيع الاخيرة، اعتمد اردوغان خطا متشددا ضد حزب العمال ووصف ايضا بـ"تصرف صقور" اذ هدد باغراق المتمردين بدمائهم، على الرغم من تعبيره عن قناعته بأن المبادرة الديمقراطية هي السبيل الوحيد المتاح لحل النزاع.

وادت هذه التطورات الى اتخاذ العديد من المنظمات الوازنة في البلاد مواقف حيال القضية وكان اهمها الانتقاد الذي وجهته جمعية الصناعيين ورجال الاعمال الاتراك الى الحكومة بسبب سوء ادارتها للملف، كما ان مئات المنظمات غير الحكومية في جنوب شرقي البلاد اجتمعت واطلقت نداء لكل من الحكومة وحزب العمال بوقف القتال.

ولكن، وعلى الرغم من تغير وتحسن بعض الامور لا تملك الحكومة خيارات بديلة وبخاصة في ظل تراجع شعبيتها قبل نحو عام من الانتخابات.

وفي هذا السياق يقول فيرات ان "الحكومة قامت بانجاز تمثل بتخطي الانكار حيال المشكلة الكردية والاعتراف بها، واعترافها بوجود شعب كردي ولغة كردية".

كما ان الحكومة سمحت مؤخرا بتعليم اللغة الكردية للمرة الاولى في جامعات جنوب شرقي البلاد، فيما لم يتوقف السياسيون الاكراد عن تحدي الحظر المفروض على استعمال اللغة الكردية في الحملات السياسية والانتخابية.