حرب الملصقات في مصر

ملصقات
Image caption تعليق الملصقات المناهضة لجمال في الشوارع، كانت تنطوي على مخاطرات كبيرة

كان التوتر باديا عليهم منذ اللحظة الأولى. تحدثنا سريعا على الهاتف، فرفضوا أن يفصحوا عن وجهتهم، قائلين: "ستعرف عندما تأتي للقائنا في بيت الدكتور".

طبعا كان الدكتور المقصود هو أيمن نور، المعارض المصري المعروف، والذي يكتفي معارفه بلقبه الأكاديمي للإشارة إليه.

كنت أريد الالتقاء بهم لكي أصحبهم في مغامرة ينوي هؤلاء الشباب النشطاء في جماعة نور، القيام بها. كان زعيمهم قد أعلن منذ أيام عن إطلاق حملة جديدة بعنوان "مصر كبيرة عليك" – والمقصود هنا هو جمال مبارك.

فرئيس أمانة السياسات بالحزب الوطني الحاكم والذي هو أيضا نجل رئيس الجمهورية، كان خلال الأسبوعين الأخيرين محور أحاديث المعارضين المصريين بشكل أكبر حتى من المعتاد.

والسبب هو تلك الحملة التي ظهرت فجأة تحت عنوان "الحملة الشعبية لدعم جمال مبارك".

اتضح أن من يقف وراء الحملة شخص لم يسمع به أحد على المسرح السياسي من قبل يسمى مجدي الكردي. أعلن أنه كان ناشطا بحزب التجمع المعارض، ثم رأى أن جمال مبارك هو الأمل الوحيد للالتفاف حول "مرشح توافقي يمثل الاجماع الوطني"، حسب تعبيره.

وكخطوة أولى قام الكردي بطباعة مجموعة من الملصقات التي تحمل اسم مبارك الإبن – بالإضافة إلي اسم الحملة، وبالطبع اسم الكردي نفسه باعتباره "المنسق العام" – وقام بتعليقها في بعض الشوارع في القاهرة.

الحزب الوطني نفى أن تكون له أي صلة بحملة الكردي، لكن ذلك بالطبع لم يلق من المعارضة أذنا صاغية. على الفور هتف قادتها: إنه مشروع التوريث يطل علينا من جديد.

أيمن نور ومجموعة الشباب الملتفة حوله قرروا أن يردوا على حملة الكردي بمثلها. قاموا بطباعة ملصقات تحمل صورة جمال مبارك. لكن فوق وجهه وضعوا خطا أحمر، وبدلا من شعار التأييد الذي استخدمه الكردي وضعوا شعار حملتهم "مصر كبيرة عليك".

إلي هنا والموضوع لا يخرج عن إطار الممارسات المعتادة للنشطاء السياسيين في مصر. لكن الخطوة التالية وهي تعليق الملصقات المناهضة لجمال في الشوارع، كانت تنطوي على مخاطرات كبيرة.

كان الناشطون يعلمون ذلك، لهذا رفضوا الإفصاح عن وجهتهم خشية أن يتسرب الخبر إلي أجهزة الأمن فتجهض حملتهم قبل أن تبدأ. فضلوا أن يلتقوا بي وبمجموعة أخرى من الزملاء الاعلاميين في أمان بيت نور، على أن نتحرك جميعا معا في نفس الوقت إلي حيث سيقومون بتعليق الملصقات.

بدت السرية التي يحيطون بها تحركهم مبالغ فيها بعض الشيء، فهدفهم مجرد توزيع ملصقات وليس القيام بانقلاب عسكري. ومع ذلك كان من الصعب على المرء أن يلومهم، فخلال الأيام الأخيرة ألقي القبض على عدد من النشطاء المصريين لقيامهم بأعمال أقل خطورة.

على كل حال تحركنا جميعا، نشطاء وإعلاميين – وبالمناسبة كان الاعلاميون أكثر بكثير من النشطاء – إلى مكان قريب من بيت نور.

وهناك بدأ الجميع يعمل بسرعة، النشطاء يطلون الجدران بسائل أبيض لاصق، ثم يسرعون بتثبيت الملصقات عليها، والإعلاميون عكفوا على عدساتهم وميكروفوناتهم يسجلون ما يحدث.

وفي خلال عشر دقائق أو ما يزيد قليلا كان الأمر قد انتهى. استقل النشطاء سيارة أجرة للذهاب إلي مكان جديد هربا من أفراد الأمن الذين كان من المؤكد وصولهم قريبا، ونحن الاعلاميون أيضا تفرقنا سريعا مدركين أن أجهزة الأمن لو أدركتنا فستصادر على الأرجح ما سجلناه وربما نتعرض لما هو أسوأ.

التوتر الذي خيم على الموقف كله أظهر مدى الاختلاف بين حملة معارضي جمال مبارك وحملة مؤيديه. فعلى الطرف الآخر كان الكردي يقوم بتعليق ملصقاته بهدوء شديد. وعندما جاء أحد أفراد الشرطة ليسأل عما يحدث بعد أن لفت انتباهه وجود كاميرا بي بي سي، أجابه الكردي أنها حملة لتأييد نجل الرئيس، فأنصرف الشرطي دون حتى أن يسأل السؤال المعتاد عما إذا كان معنا تصريح بالتصوير.