لماذا تدعم ليبيا "بي بي"؟

نفط
Image caption يشمل الاتفاق بدء بي بي حفر خمس آبار على الاقل في خليج سرت في ليبيا، على عمق يفوق عمق بئر "ماكوندو" في خليج المكسيك

اعلنت ليبيا، عبر رئيس مؤسسة النفط الوطنية شكري غانم، ان شركة الطاقة العالمية بي بي (BP) ستبدا الحفر والتنقيب عن النفط في المياه العميقة مقابل شواطئ سرت في اكتوبر/تشرين الاول المقبل.

وجاء ذلك الاعلان ردا على انباء، مصدرها بي بي ذاتها، بتاجيل المشروع الذي كان مقررا ان يبدا مع بداية النصف الثاني من العام الجاري.

ولم تفصح بي بي قبل اسبوع عن اسباب التاجيل، الا ان الجانب الليبي ارجعه الى استكمال الاستعدادات.

ونقلت وكالات الانباء عن شكري غانم قوله عن التأجيل: "يؤجلون العملية بسبب مشاكل تقنية، ويريدون التأكد من ان المعدات كافة تعمل جيدا كي لا تتكرر حادثة (ماكوندو)، وقد يستغرق الامر شهرين اضافيين كاقصى حد".

وكان الاعلان عن منح بي بي عقد التنقيب في المياه العميقة الليبية، بعد كارثة حقل ماكوندو في خليج المكسيك قد اثار كثيرا من التساؤلات في سوق الطاقة وحتى دوائر السياسة في الخارج.

لكن ما لا يعرفه البعض خارج ليبيا ان ذلك الاتفاق اثار تساؤلات ايضا داخل ليبيا، ليس فقط بين مواطنيها، ولكن ايضا في بعض دوائر السلطة وهامشها.

ومع ان ليبيا ليست استثناء في نشاط شركة بي بي فيها، اذ تملك الشركة امتيازات تنقيب واستكشاف وعمليات نشطة واسعة في مصر، لكن توقيت المخاطرة الليبية كان مثيرا لارتباطه بالسياسة.

فالامريكيون، الذين لم تهدا حملتهم على بي بي بسبب كارثة التسرب النفطي من حقلها في المياه العميقة في خليج المكسيك، يتهمون بي بي بالفساد السياسي في صفقة اطلاق سراح المتهم الليبي في حادث لوكيربي.

وتنفي الشركة وليبيا ذلك، كما ان السلطات الاسكتلندية ـ صاحبة قرار الافراج ـ تقطع بان قرارها لا علاقة له بمصالح اقتصادية.

وربما يبدو مفهوما ان تسعى بعض دول المنطقة، صاحبة المصالح المباشرة في الشركة العملاقة، لانقاذ الشركة التي فقدت نحو نصف قيمتها السوقية بسبب كارثة خليج المكسيك.

فالكويت مثلا تملك نصيبا من اسهم الشركة، خسرت فيه مئات ملايين الدولارات نتيجة ما تعرضت له الشركة.

ومن ثم قد تكون الكويت مستعدة لضخ اموال في بي بي عبر استثمارات جديدة او شراء بعض من اصولها التي تعرضها للبيع لتوفير السيولة لمواجهة مستحقات التسرب في امريكا.

ذلك انه بمزيد من الاستثمارات، يمكن للكويت ان تحافظ على قيمة نصيبها في الشركة دون خسائر كبيرة خاصة وان تلك الاموال هي لصندوق الاجيال القادمة.

اما مصر، واليمن وغيرها ممن تعمل فيها بي بي، فهناك مبررات اقتصادية لاستمرارها في التعامل مع الشركة.

ذلك ان تلك الدول قليلة الانتاج النفطي وتحتاج الى تحسين وضع احتياطياتها عبر اكتشافات جديدة، وشركة بي بي تملك القدرة التقنية ـ والاستثمارية حتى وقت قريب ـ كي تلبي احتياجات تلك الاقتصادات.

Image caption يتهم الامريكيون بي بي بالفساد السياسي في صفقة اطلاق سراح المتهم الليبي في حادث لوكيربي

اما ليبيا، فهي بالفعل منتجة كبرى للنفط، وان كان معظم انتاجها قادم من مرافق برية او واقعة في المياه الضحلة.

وحسب التقديرات شبه الرسمية الليبية، يبلغ اجمالي مخزونات النفط والغاز المثبتة في ليبيا نحو 46 مليار برميل و55 ترليون قدم مكعبة على التوالي.

وان كانت ارقام بي بي تشير الى ان مخزونات النفط في ليبيا لم تتحرك ما بين العامين 2008 و2009 وبلغ حجمها 44.3 مليار برميل، لكن مؤسسة النفط تقول ان الاكتشافات الاخيرة اضافت مئات ملايين البراميل للمخزونات.

وربما لان عدد الابار المنجزة في تلك التفرة تراجع من 179 إلى 151 بئرا، تعول ليبيا على مزيد من اعمال بي بي في المياه العميقة.

ويشمل الاتفاق بدء بي بي حفر خمس آبار على الاقل في خليج سرت في ليبيا، على عمق يفوق عمق بئر "ماكوندو" في خليج المكسيك.

ورغم ان ليبيا لم تقدم تفسيرا لاتفاقها مع بي بي في هذا التوقيت، فيما يبدو كانه محاولة انقاذ للشركة ردا لجميل ما، الا ان التبرير المتوقع هو حاجة ليبيا للتكنولوجيا وخبرة الشركات الكبرى لتحسين وضع قطاعها النفطي المتدهور عبر نحو عقدين من الحصار.

الا انه، وبعيدا عن السياسة، لم تثبت بعد الجدوى الاقتصادية لاستخراج النفط من المياه العميقة.

ومنذ اصلحت ليبيا علاقاتها بالغرب تعمل فيها عدة شركات امريكية وعالمية كبرى في تطوير حقول قائمة واكتشافات برية وبحرية عادية.

ولما كانت ليبيا لا تملك خطط الطوارئ ولا امكانات التعامل مع اي كارثة تسرب نفطي يزداد قلق بعض الناس من حصول كارثة بيئية مماثلة لخليج المكسيك وربما اسوا.

وتزخر الصحافة الليبية بالفعل بمقالات الراي التي تنتقد تلوث البحر المتوسط واثر ذلك على الحياة البحرية ومصدر رزق الصيادين.

الا ان مسالة عقد بي بي للتنقيب في المياه "الاعمق" في ليبيا يتجاوز الشركة والسياسة المباشرة المتمثلة في اتهامات واشنطن لبي بي بشان علاقاتها مع طرابلس الغرب.

اذ ان هناك تيارات قوية داخل ليبيا، مع الانفتاح النسبي الذي شهدته البلاد في السنوات الاخيرة، يخشى من توجه خصخصة و"تغريب" خطير يهدد مقدرات البلاد واستقلالها الاقتصادي.

وينظر الى رئيس مؤسسة النفط على انه احد رموز تيار برز في السنوات الاخيرة يغامر بعملية اصلاح اقتصادي غير محسوبة التبعات الاجتماعية والسياسية.

يذكر ان غانم، الذي تولى رئاسة الحكومة الليبية من قبل، ابعد عن منصبه في اطار صراع مع القوى التقليدية التي تريد الحفاظ على مقدرات البلاد وحمايتها من هيمنة غربية.

وان كان من الصعب ان تجد في ليبيا من يصل موقفه الى حد الصراع المكشوف، الا ما يفهم ان الناس ربما تقارن بين بي بي وازمة سابقة لشركة لويدز للتأمين قبل نحو ثلاثة عقود.

فقد كانت لويدز على وشك الانهيار بعدد رفع قضايا للتعويضات عن اضرار الاسبستوس في امريكا، ولم تفلح في الحفاظ على وضعها المالي الا بصفقتي تأمين كبريين مشبوهتين مع مصر وباكستان.

ويبقى السؤال، لماذا تساعد ليبيا بي بي مطروحا بسبب التوقيت وعدم شفافية الجدوى الاقتصادية للاتفاق.

ويرد القائمون على الامر بان ليبيا بحاجة لتلك الخبرات والاستثمارات، ويقف اخرون داخل ليبيا ـ وربما داخل السلطة ـ على الطرف الاخر معتبرين ذلك خطوة اخرى في طريق تسليم البلد للشركات الكبرى.

لكن المثير حقا ان تجد مثل ذلك الجدل في ليبيا، وهو ما يعد دليلا على ان انفتاحا واصلاحا بدا ومن الصعب ان يتوقف ـ بغض النظر عما سيؤدي اليه.