التمويل الخليجي للعراق بين الحقائق الأمنية وتضخيم التهديد الإيراني

ميناء نفطي
Image caption النفط كان عاملا مهما في تمويل الحرب

يتفق المراقبون على أن دول الخليج العربية قدمت أشكالا مختلفة من التمويل المالي والدعم اللوجستي والتأييد السياسي للعراق على مدى سنوات حربه الثماني مع إيران، إلا أنهم يختلفون حول أسباب التي دفعت هذه الدول النفطية لتقديم دعمها المالي واللوجستي للعراق، كما يختلفون في قدار تأثير هذا الدعم في مسار الحرب التي تعد الأطول في القرن العشرين.

فقد اتخذ هذا الدعم عدة اشكال بينها المنح الحكومية التي لا تسترد، أو القروض الميسرة او التجارية وصولا إلى المساعدات اللوجستية التي قدمتها دول الخليج لبيع النفط العراقي في الخارج واستخدام الموانئ الخليجية لايصال البضائع بجميع أنواعها إلى العراق.

ويقول مراقبون إن دول مجلس التعاون الخليجي الست قدمت هذا الدعم رغبة منها في تعزيز قدرة الحكومة العراقية على صد ما وصف بأنه مد إيراني باتجاه منابع النفط الخليجية.

ورغم ان المراقبين يتفقون على أن البداية الفعلية للحرب تمثلت بعبور الوحدات البرية العراقية للحدود المشتركة مع إيران في 22 سبتمبر 1980، إلا أنهم يختلفون حول موعد بداية الدعم الخليجي للعراق.

ويرى باحثون في قضايا الدفاع إن الدعم الخليجي الفعلي للعراق جاء في مرحلة لاحقة، وبالتحديد بعدما احتلت القوات الإيرانية لأراض عراقية في العام 1981.

وفي المقابل، يفسر مراقبون هذه الرغبة في نفي الدعم الخليجي المبكر للعراق وربطه بشكل مباشرة برفض إيران لدعوة المجتمع الدولي لوقف الإعمال الحربية بين البلدين بأنه رغبة في تجنب الحرج من نتيجة التحقيق الذي أجرته الأمم المتحدة والذي وجه أصبع الاتهام للعراق بأنه من بادر ببدء الحرب ضد إيران.

احتلال الفاو

يقول مصطفى العاني، مدير قسم دراسات الأمن والدفاع، في مركز الخليج للأبحاث في دولة الإمارات العربية، إن الدعم الخليجي للعراق "لم يبدأ إلا بعد إعلان العراق رغبته في ايقاف الحرب في عام 1981 وقيام إيران باحتلال اراضي عراقية".

وأضاف إن الدعم الكويتي والسعودي زاد في بعض مراحل الحرب مثل فترة احتلال إيران للفاو والذي يقول العاني إنه "جلب الخطر لمنطقة قريبة جدا من الحدود الكويتية".

وقدر العاني حجم التمويل الخليجي للحكومة العراقية بأكثر من 50 مليار دولار.

أما ميسر الشمري، الإعلامي السعودي الذي غطى مراحل الحرب المختلفة فقد قال لبي بي سي إن الولايات المتحدة "ضخمت الخطر الإيراني مع قدوم الثورة الايرانية في 1979، ما أوجد رأيا عاما مضادا للثورة الإيرانية في الصحافة والرأي العام الخليجي رغم التصريحات التي أدلى بها قائد الثورة الإيرانية في حينها الإمام الخميني حول ضرورة استعادة القدس ومحاربة إسرائيل".

ويرى الشمري الذي زار بغداد في حينها إن الدعم الخليجي الرسمي تزايد في 1984 عندما وصلت القوات الإيرانية إلى نقاط جعلت بغداد في مرمى المدفعية الإيرانية.

"استثمار أمني"

ويقول مراقبون بأن دول الخليج العربية استثمرت في أمنها وسلامتها خصوصا أن العراق استنزف خلال الأشهر التسعة الأولى من الحرب مبلغ 17 مليار دولار تمثل احتياطاته النقدية الأجنبية في حينها.

ويقول الدكتور العاني إن العراق واجه مصاعب في تصدير النفط فقامت دول الخليج ببيع هذا النفط نيابة عن العراق في السوق الدولي وارسلت الإيرادات المالية.

كما قدمت دول مثل الكويت والسعودية والاردن دعما لوجستيا للعراق من خلال السماح بمرور المعدات والأسلحة عبر موانئها نحو الأراضي العراقية.

وتشير التقارير إلى أن الكويت كانت من أكبر الداعمين لوجستيا للعراق حيث كانت تعبر الحدود الكويتية إلى العراق ما بين 500 إلى ألف شاحنة يوميا خلال العام 1981.

يقول أبو الحسن بني صدر، أول رئيس لإيران بعد انتصار الثورة الاسلامية، في حديث لبي بي سي إن دول الخليج قدمت في العام 1981 عرضا لدفع تعويضات مالية لإيران لضمان الموافقة الإيرانية على وقف الحرب، إلا أن العرض لم يقبل.

وكشف بني صدر الذي يقيم في باريس إنه في أواخر ربيع عام 1981 "عبرت دول الخليج عن استعدادها لدفع تعويضات نيابة عن العراق، عبر اعطاء إيران 25 مليار دولار".

إلا أن الرئيس الإيراني السابق قال إن حكومة بلاده لم تقبل بهذا العرض، وطلبت في المقابل مبلغ 50 مليار دولار كتعويضات عن الأضرار التي تكبدتها.

وتضمنت البيانات الختامية لاجتماعات القمة لدول الخليج العربية خلال عقد الثمانينات إشارات مستمرة لجهود وقف الاقتتال في الخليج، حيث أشار البيان الصادر عن القمة الرابعة في العام 1983 إلى تأييد قرار مجلس الامن الداعي الى وقف جميع العمليات العسكرية في الخليج وعدم التعرض للمدن والمنشآت الاقتصادية والموانىء، والوقف الفوري لجميع الاعمال العدائية، بما في ذلك جميع الممرات البحرية والطرق المائية.

ولم يغفل البيان في حينها الإشارة إلى موافقة العراق على هذا القرار ودعا إيران في المقابل للتجاوب معه وعدم التعرض لحرية الملاحة في الخليج ومضائقه.

يشار إلى أن القروض التجارية التي قدمتها المصارف الخليجية المختلفة للعراق بتشجيع من حكومات هذه الدول تحولت لقضية شائكة بعد قيام العراق بغزو الكويت في الثاني من أغسطس 1990.

المزيد حول هذه القصة