إعادة كتابة تاريخ الأتراك يثير خلافا في مصر

."لاستخدام هذا الملف لابد من تشغيل برنامج النصوص "جافا"، واحدث الاصدارات من برنامج "فلاش بلاير

يمكن التنشغيل باستخدام برنامج "ريال بلاير"، او "ويندوز ميديا بلاير

بعد أن انتهت "نهى محمد" من قراءة أحد فصول كتاب الدراسات الاجتماعية للسنة الثالثة الإعدادية ، سألتها عن انطباعها.

"أكره العثمانيين لأنهم عزلونا عن أوروبا ومنعوا تقدم مصر"، تقول نهى.

تلك هى خلاصة انتهت إليها "نهى"، 14 عاما، بعد قراءة ثماني صفحات تشكل الوحدة الثالثة من الكتاب، وعنوانها "الغزو العثماني لمصر ومقاومة الاحتلال".

وبعكس نهى وزملائها، تعلمت أجيال من المصريين، من كتب التاريخ القديمة أن العثمانيين، أسلاف الأتراك الحاليين، قدموا إلى مصر فاتحين وليسوا غزاة.

غزو أم فتح؟

كنيسة آية صوفيا باسطنبول

هل كان العثمانيون الذين جاءوا إلى مصر فاتحين أم غزاة؟

في كتاب التاريخ الجديد، يصف المؤلفون، ومن بينهم أستاذان جامعيان في التاريخ ومناهج تعليمه، الحكم العثماني، الذي بدأ عام 1517 واستمر ثلاثة قرون، بأنه كان جامدا راكدا وأغرق مصر والعالم العربي في التخلف.

ويقولون أيضا "لجأ العثمانيون إلى الدين واستخدموه لاستمرار فرض سيطرتهم على العالم العربي".

ذلك التحول جاء في سياق ما تصفه وزارة التعليم المصرية بتعديل شامل في مناهج التعليم ماقبل الجامعي.

ولم يمر التحول بهدوء. فقد فجر خلافات، حتى في مجلس الشعب (البرلمان) المصري، حول مدى دقته وتوقيته وأسبابه المحتملة.

فالدكتور السيد عطية الفيوفي، النائب عن الحزب الوطني الحاكم ووكيل لجنة التعليم، يراه "تصحيحا لمفاهيم خاطئة مستمرة منذ عقود". ويضيف:

" العثمانيون غزو مصر ولم يفتحوها لأن أهدافهم كانت توسعية وليست دينية لنشر الإسلام".

ويدافع الفيومي بقوة عن التعديل باعتباره " نتائج دراسة تاريخية وتدقيق أعاد النظر في هذه الحقبة التاريخية".

وتفى بشدة وجود أي دوافع سياسية. وأشار إلى انه " ليس هناك توقيت محدد لتصحيح الأخطاء".

الاتراك وأسلافهم

ويرفض جمال زهران، العضو المستقل بمجلس الشعب وعضو لجنة التعليم بالمجلس ، هذا التفسير ." وراء استخدام وصف الغزو بدلا عن الفتح دوافع سياسية". ويضيف زهران "هي محاولة تستهدف إبعاد شبح تركيا عن المنطقة".

ويحذر من احتمال أن يكون هذا " تمهيدا لمطالبة تركيا الحالية بتعويضات عما يوصف بالغزو العثماني لمصر". وطالب زهران وزير التعليم الدكتور أحمد زكي بدر بتوضيح موقفه، مشيرا إلى احتمال ألا يكون الوزير على دراية بـ" خطورة استخدام الغزو بدل الفتح".

ولم يصدر عن الوزير أي تعليق. وكان بدر، الذي تولى منصبه قبل حوالى تسعة شهور، قد قال إنه "سيتم الاستعانة بأصحاب العلم، كل في تخصصه، لمراجعة المناهج التعليمية".

" ليس هناك علاقة بين العثمانيين القدامى والأتراك الحاليين حتى يمكن تحميلهم مسؤولية أفعال أسلافهم". ، يرد الفيومي. ويضيف " حتى الأتراك الحاليون أنفسهم يعيدون النظر في تاريخهم".

"السلاطين الغزاة"

"الأصل في قدوم العثمانيين إلى مصر هو غزو وليس فتحا"، يقول الدكتور عاصم الدسوقي ، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة حلوان.

"العثمانيون لم يغزو مصر لنشر الإسلام كما فعل مثلا المسلمون الذين فتحوا مصر بقيادة عمرو بن العاص. فالعثمايون جاءوا بهدف التوسع".

ويضيف الدسوقي "العثمانيين أنفسهم يسمون ، في وثائقهم وأدبياتهم ، قادتهم الذين دخلوا مناطق وبلدان أخرى بأنهم السلاطين الغزاة".

وأشار إلى أن قبائل العرب ثم المسلمين ، حتى خلال فترتي النبوة والخلافة الإسلامية، كانوا يسمون أنشطتهم العسكرية لنشر الإسلام غزوات.

ويرى الدسوقي أن من الأفضل استخدام تعبير "دخول" لوصف قدوم العثمانيين إلى مصر.

ويعتقد أنه"ربما أرادت مصر أن ترد على صعود نجم الأتراك الجدد، في ظل حكم حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، في الشرق الأوسط".

ويرفض الدسوقي طريقة تغيير منهج التاريخ. " يجب ألا تجرى تغييرات في أحداث التاريخ إلا بعد استشارة علماء وباحثي التاريخ. فحتى لو كان الغزو هو الوصف الملائم فيجب أن نشرح للناس أسباب التغيير".

لماذا إذن استقر وصف الفتح طوال هذه القرون؟
"الكتاب القدامى استخدموا ذلك الوصف لأن العثمانيين كانوا مسلمين"، يجيب الدسوقي. غير أنه يضيف:
"القول بأن العثمانيين كانوا يمثلون الخلافة الإسلامية كذبة كبرى، فالسلطان ( العثماني) عبد الحميد انتحل الصفة الإسلامية".

العثمانيون وأوروبا والعرب

"الدولة العثمانية كانت تطمح لحماية الدولة الإسلامية الكبرى مترامية الأطراف" يرد حازم عبد الرحمن ، مدير تحرير صحيفة "الأهرام" والمهتم بالتاريخ. "لو وصف قدوم العثمانيين إلى مصر بالغزو فيجب أن يوصف قدوم عمروبن العاص إليها بأنه أيضا غزو وليس فتحا".

ويضيف "مصر كانت بالنسبة للفاتحين المسلمين أيضا بقرة حلوب تدر الكثير من الأموال إلى مقر الخلافة ، ولهذا فإنه بنفس المنطق يجب أن يسمى الوجود الإسلامي في مصر غزوا".

حسب التعديل في كتاب الدراسات الاجتماعية المشار إليه، فإن " العالم العربي أصيب في العصر العثماني بالجدب العلمي وانعدام الاجتهاد في الدين وصعفت روح الابتكار في العلم والأدب".

ويرفض عبد الرحمن تركيز التعديلات في كتب التاريخ على مثل هذه السلبيات. "لهذا الحكم إيجابيات كثيرة منها الحفاظ على مركزية الدولة المصرية وحمايتها من الاعتداءات الخارجية".

ولهذا يعتقد بأن " التعديل وراءه مصالح سياسية ضيقة تستهدف إثارة التوجس من غزو تركي جديد ، خاصة بعد نجاح التجربة الديمقراطية الحالية في تركيا".

وتساءل: "لماذا نحاسب العثمانيين على عدم تحقيق نهضة اقتصادية وسياسية وصناعية في مصر لم تكن أوروبا قد حققتها في ذلك الوقت ، كما لم نستطع نحن العرب تحقيقها في العصر الحديث".

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك