لبنان: معاصر الزيتون بين التراث والحداثة

زيتون
Image caption معاصر الزيتون التقليدية آخذة بالاندثار

تواجه كثير من معاصر الزيتون التراثية في لبنان مخاطر الاندثار نظرا لانتشار المعاصر الحديثة، واخرها هدم معصرة اثرية في مدينة الشويفات يعود عمرها الى ثلاثمئة عام.

وبغياب المعاصر التراثية تغيب حلقات من التواصل الاجتماعي بين القرويين الذين كانوا يتحلقون حول تلك المعاصر.

ومن اجل رصد هذه الظاهرة كان لا بد من قيامنا بجولة على بعض مناطق زراعة الزيتون في جبل لبنان.

في هذه الجولة يدرك المرء ما يمثله موسم قطاف الزيتون في لبنان كمحطة هامه في حياة القرويين والمزارعين نظرا لتعلقهم بالارض وللمردود المالي الذي يجنونه من بيع محصولهم.

ولما شاركنا بعضهم القطاف في قرية دير دوريت تلمسنا امرا يشبه الحسرة على غياب معاصر زيت الزيتون التقليدية واستبدالها بالمعاصر الحديثة كما هو الحال في معظم مناطق جبل لبنان.

السيدة انطوانيت تعكف على جمع حبات الزيتون بعد تساقطها على الارض بفعل ضربات عصى "المفراط" التي يوزعها شقيق زوجها على اغصان الزيتون في قرية دير دوريد، تقول لنا وهي تكفكف عرق جبينها :" لقد غزا الشيب رأسي وانا اواظب على قطاف الزيتون منذ ان كنت طفلة، يا رزق الله على تلك الايام حيث كان اهل الضيعة يتجمعون حول المعصرة، يتبادلون الاحاديث والحكايا بانتظار دور كل واحد منهم في عصر الزيتون، يومها لم تكن لدينا طرقات وسيارات وكنا ننقل الزيتون الى المعصرة على ظهور الحمير، وكان الزيت فيه بركة اكثر."

نتابع طريقنا الى منطقة بعقلين حيث نلتقي بالعم "ابو نصر" وهو رجل تقدًم به السن لكنه ما زال يحن الى ايام عصر الزيتون في معصرة والده التي باتت مهجورة اليوم بعد سبعين عاما على انشائها.

حجر الرحى التقليدي ما زال في مكانه لكنه توقف عن الدوران.. وما عاد يعصر زيتا ولا يحمل الا ذكريات زمن غابر كان يتم فيه تصدير زيت هذه المعصرة ذو الجودة العالية الى سوريا.

ويخبرنا ابو نصر ان والده كان ذائع الصيت في عصر الزيتون، وكان يتم تجميع الزيت في خوابي من الفخار في السوق الشعبي الذي لم يبق منه اليوم الا بعض القناطر التراثية، ويتمنى "ابو النصر" ان تتحول معصرته التراثية الى مكان لجذب السياح بعد اعادة ترميم السوق الشعبي.

بعد توديع ابو النصر وهو يتوكأ على عصاه قصدنا احدى المطاحن المائية التي كانت تستخدم في طحن القمح وعصر الزيتون فاذا بها تواجه ايضا خطر الاندثار، فالاعشاب تلتهم جدرانها، بينما تغور ارضها في التراب بعدما كانت تصنف بانها صديقة للبيئة.

Image caption الجهد البشري في المطاحن الحديثة يقتصر على وضع الزيتون في الالة وتعبئة الزيت المستخرج منها

هذه المطاحن كانت تقام الى جانب الانهار وعيون المياه، ولذا كانت تشكل محطة للتواصل الاجتماعي بين المزارعين الذين يأتون اليها لاستخراج الزيت من قطاف الزيتون،على عكس ما هو الحال اليوم في المطاحن الحديثة.

فالجهد البشري في المطاحن الحديثة يقتصر على وضع الزيتون في الالة وتعبئة الزيت المستخرج منها اذ انها تعمل بواسطة الكهرباء او الوقود كما هو حال معصرة الزيون في بعقلين التي زرناها برفقة حسيب حيدر وهو رئيس مجلس ادارة تعاونية الزيتون في بعقلين وزياد ابو عجرم امين سر التعاونية.

يدافع حسيب حيدر عن المعاصر الحديثة اذ "انها اكثر جدوى من المعاصر التقليدية، فاننا نستطيع عصر عشرات الاطنان من الزيتون يوميا وتحويلها الى زيت، بينما هذا الامر متعذر في المعاصر التقليدية، ولا داعي لقيام المزارع بالانتظار لايام حتى يأتي دور عصر محصوله من الزيتون كما كان عليه الحال سابقا" .

وعندما نسأل عن الاثار السلبية على البيئة والناتجة عن الزيبار (مخلفات عملية العصر) الذي يخلفه طحن الزيتون يوضح لنا زياد ابو عجرم امين سر التعاونية: "ان بعض الناس يستفيدون من الزيبار للتدفئة واخرون يستخدمونه كسماد لشجر الزيتون لكن بكميات قليلة"، لكن كلا من زياد وحسيب يقران بضرورة ادخال نظام ادارة متكاملة للنفايات الناتجة عن عصر الزيتون وهذا يحتاج الى مساعدة من وزارة الزراعة اللبنانية.

نترك بعقلين قاصدين مدينة الشويفات لنقف على اوضح وجوه الخطر المحدق بالمعاصر التراثية اذ ان مصير الهدم كان قدر معصرة خاصة في المدينة و يعود تاريخها الى 300 سنة خلت، وقد جرت عملية الهدم رغم احتجاج الاهالي على تراث اكلته الات الحداثة.