ارز لبنان على مفترق الإندثار

الارز
Image caption ثمة دراسات تقول ان إرتفاع الحرارة يتسبب بانتشار نوع من الدود القاتل للارز

للبنان بين الدول ما يكفيه من أزمات، لكنه يتشارك معها في أزمة تهدد العالم بأسره، التغير المناخي الذي ظهرت اثاره على خضرة البلاد ومائه ووجه الحسن الذي ظل جاذبا لزوار أرادوا دوما رؤية طبيعته.

في مكتبه في بيروت إلتقينا وزير البيئة اللبناني محمد الرحال، شاب في بداية الثلاثينات يبدو قلقا على مصير بلاده البيئي في ظل ما تشهده من إضطرابات مناخية أطالت الصيف وأخرت الشتاء وجاءت بالحرائق إلى الغابات في شهر ديسمبر كانون أول المعروف بكونه شهرا للبرد والمطر.

يقول رحال ان لبنان والدول العربية تندرج ضمن دول الـG77 كما تطلق عليها الأمم المتحدة، وهي "دول متلقية للأزمة وليست مسببة لها"، وفي هذا الأطار يشير رحال إلى ان بلاده تنتج "ما يوازي 0.7 بالمئة من الغازات الدفئية فيما العالم العربي ككل ينتج ما مقداره 5 بالمئة هذه الغازات"، مشددا على ضرورة "ان تتحرك الدول الكبرى لمعالجة هذه الازمة قبل ان تتفاقم".

لكن تفاقم الأزمة يبدو واضحا على لبنان، حيث الحرائق تلتتهم ما تبقى من أراض خضراء، إلى جانب دور الإنسان في تفتيت الجبال وتحويلها إلى صخور تستعمل في البناء والتجارة، أما الماء الذي كان يوما ثروة قومية، فتحول إلى حاجة قومية، بعدما شحت الأمطار، وتركت الأنهر تهدر دون ان يحتفظ منها بكمية بيضاء تنفع في مثل هذه الظروف السوداء.

هذه الظروف التي فرضت على لبنان رسميا وداع فصوله الأربعة، والإكتفاء بفصلين مسقطا احد أسباب جذبه...ليقطع التغيرالمناخي شوطا صعودا نحو اكثر الرموز قدسية في البلاد، شجرة الأرز

بالنسبة للوزير رحال، شجرة الأرز اليوم في خطر، بناء على دراسات تقول ان إرتفاع الحرارة يتسبب بانتشار نوع من الدود القاتل للشجرة، وإستمرار الإرتفاع في درجات الحرارة يخفف من مقاومة الأرز وهو في نهاية المطاف امر لا يحمد عقباه.

اما وائل حميدان المدير التنفيذي لمنظمة إندي أكت البيئية، فهو يرى ان إستمرار الحال على ما هو عليه، سيجعل لبنان يخسر شجرة الأرز نهائيا، ولا بد من التحرك سريعا، لان الخطر يتعدى شجرة الأرز ولبنان للكوكب بأسره الذي يرى ان مليارين فقط من سكانه سيتمكنون من الصمود احياء عليه.

بإتجاه الأرز صعدنا، لتنتهي بنا الرحلة على إرتفاع ألفي متر عن سطح البحر. حتى اللحظة لم تكتسي هذه المنطقة من لبنان ثوبا أبيض إعتادت على إرتدائه في هذا الوقت من كل عام.

يقول بيار طوق، نقلا عن كبار السن في بلدته، إن تأخر الثلج لهذه الدرجة امر غير مسبوق، ويعلل ذلك بالتصحر.

بالنسبة لبيار، الارز هو حياته، فهو يقطن هنا ويعتاش من المردود السياحي لهذا الرمز التاريخي، إلى جانب ذلك، فهو يعشق الشجرة التي لولاها ما كان ليكون لبنان.

لا زال الخصام قائما بين الأرز والثلج، خصام لا ينفع الأول لأنه يحرمه أصل حياته، فالثلج أساسي لإستمرار الغابات التاريخية التي صمدت ألاف سنين رغم الحروب والنزاعات، وغذت المنطقة بأسرها باجود أنواع الخشب، فذكرت في الإنجيل والتوراة، وكانت سببا لإنتصار جيوش في الأزمنة الغابرة على جيوش أخرى، فقط لأن المنتصر حينها إختار شجر الأرز خشبا لأساطيله.

بيار ليس وحيدا هنا، أخرون كثر يتفقون معه، في الأرز وغير الأرز، فالأرزة شعار لبنان، وهي رسمت على العلم لتثبت رمزا للأرض التي عرفت على مر السنين بلادا للأرز، وهي الأن مهددة بفعل التغير المناخي، مهددة بأن تصبح في نهاية المطاف، ليس اكثر من رسم على علم.