المشهد الثقافي العربي عام 2010: " لا جديد على الجبهة الشرقية"

كتب
Image caption معدل القراءة متدن في العالم العربي

لم يأت عام 2010 بمعجزة لتحريك المياه الساكنة منذ عقود في الساحة الثقافية العربية، فالهوة مستمرة بالاتساع بين "منتجي" و "رعاة" الثقافة من جهة و "مستهلكيها" من جهة أخرى.

على مستوى "الرعاية" و"الإنتاج" نستطيع بلا شك الحديث عن تطورات إيجابية، لعل أبرزها توجه ملحوظ في العديد من مؤسسات الدول الخليجية الثرية لاحتضان مشاريع ثقافية متعددة الملامح.

يبدو وكأن حكومتي أبو ظبي وقطر تتنافسان في دعم المشاريع الثقافية والفنية العالمية الطابع، ففي عام 2007 وقعت حكومة أبو ظبي عقدا لفتح "فرع" لمعهد اللوفر الباريسي العريق، وفي عام 2010 افتتحت قطر متحف الفن العربي الحديث، وفيما بين السنتين استضافت كل من أبو ظبي والدوحة العديد من الفرق السيمفونية ومغني الأوبرا.

وانطلقت العديد من المشاريع الثقافية في العاصمتين منها مشروع "كلمة" لترجمة الكتب من لغات أوروبية الى العربية ومشروع "كتاب" لتشجيع النشر وجائزة "البوكر العربية" في أبوظبي، ومتحف الفن الإسلامي في قطر.

ولكن هذا يتعلق بأحد طرفي المعادلة فقط: الإنتاج، فماذا عن التلقي (الاستهلاك)؟

هل ساهمت هذه الخطوات في فتح شهية القارئ وزوار المتاحف وجمهور العروض الأبرالية والموسيقى الكلاسيكية المفترض في العالم العربي؟

معظم زائري حفلات الأوبرا والباليه في ابوظبي والدوحة كانوا من الوافدين الأوروبيين الذين سعدوا بالحصول على امتياز إضافي، الى جانب الرواتب العالية التي يتقاضونها في الخليج، وهو: جلب المؤسسات الخليجية الراعية لتلك العروض الثقافة الأوروبية اليهم في أماكن عملهم وغربتهم.

كان حضور المواطنين الخليجيين بشكل خاص والوافدين العرب بشكل عام في العروض التي حضرتها في أبو ظبي ضعيفا.

ثلاثون كتابا لمليون عربي

أما على مستوى القراءة فقد ورد في تقرير منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة والتربية (اليونسكو) لعام 2010 أن نصيب كل مليون عربي من الكتب لا يتجاوز ثلاثين كتاباً، مقابل 584 لكل مليون أوروبي، و212 لكل مليون أمريكي.

وورد في تقرير التنمية البشرية الأخير أن أعداد النسخ المطبوعة من الكتاب العربي في المعدل العام بين ألف الى ثلاثة آلاف، بينما يبلغ عدد النسخ المطبوعة للكتاب في أوروبا وأمريكا عشرات الآلاف. هذا الواقع لم يتغير بشكل ملموس في العام 2010.

وحذر تقرير منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) عن العلوم في العالم لعام 2010 من تبعات ضعف الانفاق العلمي في العالم العربي وقال ان "المال السهل" في الدول العربية النفطية يمثل سلاحا ذا حدين.

وقال التقرير ان البلدان العربية تفتقر الى قاعدة متينة في مجال العلوم كما أن أداء نظمها الخاصة بالتعليم العالي "لا يزال ضعيفا فيما يتعلق بتوليد المعارف".

وقال التقرير ان "المال السهل" المتأتي من العائدات النفطية هو بمثابة سيف ذي حدين بالنسبة الى البلدان العربية. ففي حين ساعدت هذه الاموال على تنمية البنية الاساسية في المنطقة "بقيت التنمية القائمة على العلوم والتكنولوجيا مهمشة حتى الاونة الاخيرة وفي المقابل تعتبر بلدان المنطقة من الدول التي تحتل المراتب الاولى في العالم من حيث الانفاق على الدفاع."

Image caption الفرق السمفونية العالمية تدعى الى أبو ظبي

الاستثمار في القمة

وهذا يلقي الضوء على مشكلة الاستثمار في القمة وإهمال القاعدة، فقبل الاستثمار في المتاحف ودعوة الفرق الكلاسيكية العالمية ربما كان من الأجدى البدء بتطوير النظام التعليمي من القاعدة، لمحاولة جسر الهوة بين "المنتوجات الثقافية" التي تستورد بتكاليف باهظة والمشاريع الثقافية الراقية التي تنفق الملايين على تمويلها من جهة، والذائقة الثقافية للمواطن العادي بل والمثقف، حتى ينتفع منها.

ربما يساعدنا في فهم المعطيات أعلاه إذا علمنا أن معدل نسبة الأمية في العالم العربي ككل يقترب من 30 في المئة، وهذا يجعل الجهود الفوقية لتشجيع القراءة غير ذات جدوى.

حدثني مدير معرض الشارقة الدولي للكتاب أن الإمارة توزع خزانات ثمينة بها مجموعات من الكتب لتشجيع المواطنين على القراءة.

سألته عن المنهج الذي يتبعونه في اختيار الكتب لتلائم اهتمام الذين يحصلون عليها فلم أحصل على إجابة واضحة.

وهناك مشروع مشابه أطلقته إمارة أبو ظبي هو مشروع "حافلة كتاب" حيث تجوب "مكتبة متنقلة" المدينة لتشجيع استعارة الكتب وقراءتها.

هذا المشروع وقرينه في الشارقة ينطلق من افتراض خاطئ وهو أن المواطن لا يستطيع الوصول الى الكتاب، ويرى في هذا سبب ضعف القراءة.

ربما كان هذا الافتراض صحيحا في بلد فقير كمصر، ولكن ليس في الإمارات العربية المتحدة، حيث لضعف القراءة اسباب أخرى لم يجر التطرق إليها على ما يبدو، مما يجعل محاولة حض المواطنين على القراءة "بالهداية" حينا وبتوفير الكتب حينا آخر، غير مجد.

عوائق أخرى

هناك ظاهرة أخرى تلازم المشهد الثقافي العربي لم تتغير بدورها: في عام 2010 أيضا قرأنا عن منع كتب في بلدان عربية، واستثناء عناوين في معارض الكتب في المدن العربية.

أغرب الكتب الممنوعة عام 2010 كان كتابا يوزع في الأسواق العربية منذ ألف عام هو كتاب للجاحظ، حيث قالت الجهة المانعة "إن عبارات تخدش الحياء العام وردت فيه"، حسب ما قال أحد المؤلفين الذين منع أحد كتبهم في الأردن (وليد حسني) لصحيفة القدس العربي.

هذا عن الكتب المطبوعة، فما هو وضع "الكتب المسموعة" (audio books) و"الكتب الالكترونية" (E-Books)؟ تكاد تكون غير معروفة. من الملاحظ أن هذه الأشكال من الكتب بدأت بشق طريقها في سوق المعرفة في العالم منذ سنوات طويلة، ولا يخلو معرض أوروبي أو امريكي للكتب من جناح خاص بالكتب المسموعة أو الكتب الالكترونية، أما في المعارض العربية فليس الوضع كذلك، وهذا يؤدي بالضرورة الى ثراء المكتبات الالكترونية الأوروبية والأمريكية، وشحها في العالم العربي.

الذين رحلوا

إذن لم يضف عام 2010 الكثير لللرأسمال الثقافي للعالم العربي، وإن كان غيب بعض الاقلام الهامة، وكان بين الذين رحلوا أسماء معروفة في حقل الرواية والشعر والكتابة الساخرة.

غيب الموت الروائي الجزائري الطاهر وطار، مؤلف العديد من الروايات التي لاقت رواجا وانتشارا في سبعينيات القرن الماضي ، مثل "اللاز" و "عرس بغل" و"الحب والموت في الزمن الحراشي".

ورحل عن عالمنا الكاتب السعودي غازي القصيبي مؤلف "شقة الحرية " و "سعادة السفير".

وفقدنا صاحب القلم الساحر والكلمة الساخرة، الكاتب المصري محمود السعدني، مؤلف "الولد الشقي" و "على الرصيف"

وفقد عشاق الشعر الشاعر المصري محمد عفيفي مطر صاحب دواوين “احتفاليات المومياء المتوحشة” و “الجوع والقمر” و”يتحدث الطمي”.

الذين فازوا

وعلى صعيد الجوائز الأدبية فاز الروائي السعودي عبده خال بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) لعام 2010 عن روايته "ترمي بشرر".

وأثار الفائز بجائزة الشيخ زايد، الأكاديمي الجزائري حفناوي بعني عن مؤلف له في النقد المقارن، زوبعة على الساحة الثقافية والأكاديمية، حيث اتهم بالسرقة الأدبية وسحبت منه الجائزة.

على المستوى العالمي

Image caption ماريو فارغاس يوسا حاز على جائزة نوبل

أما على الساحة الدولية فقد فاز بجائزة نوبل للآداب الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا مؤلف العديد من الروايات التي لاقت رواجا في العالم ، مثل "البيت الأخضر" و "محادثة في الكاتدرائية" التي صدرت عام 1969 ورواية " في مديح الخالة" التي نشرت عام 1988 من أشهر الأعمال الروائية ليوسا، إضافة الى رواية "حرب نهاية العالم" و"من قتل موليرو؟" و"حفلة التيس".

وصادف عام 2010 الذكرى المئتين لولادة المؤلف الموسيقي البولندي/الفرنسي فريدريك شوبان (1810-1849)، أحد أعلام الحقبة الرومانسية في الموسيقى الكلاسيكية، وبهذه المناسبة أقيمت احتفالات في أكثر من مدينة أوروبية، وبثت برامج خاصة عن حياته وموسيقاه في العديد من الاذاعات ومحطات التلفزيون، ومنها البي بي سي.

والمعروف عن شوبان، المولود في بولندا لأب فرنس وأم بولندية، أنه كتب معظم أعماله الموسيقة للبيانو، وحتى في أعماله الأخرى التي تتضمن أكثر من آلة موسيقية فقد ترك دورا مميزا للبيانو الذي اعتبرات التقنيات الجديدة التي ابتكرها في عزفه وتأليف مقطوعاته ثورية في عصره.