الجنوبيون في شمال السودان: عائدون أم باقون؟

الخرطوم

السبب في تعذر سير قوافل العائدين فقد أعادته الحكومة السودانية للحركة الشعبية وأعادته الحركة الشعبية للحكومة

الزائر لمنطقة "ود البشير" في أطراف مدينة أمدرمان لا يمكن أن تخطئ عيناه مشهد الارتحال الجماعي لسكانها.

ففي منتصف المنطقة، التي بدأت عشوائية وحملت اسم معسكر لسنوات طويلة، وقفت ثماني عشرة شاحنة ضخمة امتلأت معظمها بكل ما يمكن أن تتخيل أنه كان أثاثاً أو أغراضاً لبيت ما في يوم ما.

مئات الأسر والأفراد من سكان "ود البشير" الذين تعود أصولهم إلى جنوب السودان في انشغال تام بتأمين مكان لأكبر كم من متعلقاتهم في قلب هذه الشاحنات التي لا يعرف أحد إن كانت ستصل فعلاً إلى محطتها النهائية قبل بدء التصويت على تقرير مصير جنوب البلاد؛ فقد تناقلت الأخبار توقف عشرات الشاحنات التي تحمل الناس والمتاع في الطريق بين مدينة كوستي في وسط السودان واالحدود مع جنوبه. أما السبب في تعذر سير قوافل العائدين فقد أعادته الحكومة السودانية للحركة الشعبية وأعادته الحركة الشعبية للحكومة.

."لاستخدام هذا الملف لابد من تشغيل برنامج النصوص "جافا"، واحدث الاصدارات من برنامج "فلاش بلاير

يمكن التنشغيل باستخدام برنامج "ريال بلاير"، او "ويندوز ميديا بلاير

لكن على الرغم من ورود أخبار الاختناق المروري على مشارف الجنوب ما يزال الحالمون بالعودة إلى وطن طال فراقه يزرعون الأرض الرملية جيئة وذهاباً في ازدحام يصل إلى التدافع أحياناً بغية إكمال ملء الشاحنات قبل انطلاقها في رحلة العودة.

ويبدو أن من هيأوا النفس على المغادرة وعزموا أمرهم لا يريدون لأي طارئ أن يعطل خطاهم الدؤوبة ولو لبضع دقائق، أو هكذا صُوّر لي على الأقل.

فحالما انتبه المرتحلون إلى وجود غرباء يرصدون حركتهم ويحملون أجهزة تسجيل تحول التركيز من إتمام عملية شحن القافلة إلى التساؤل بشكل يقرب إلى العدائية عن الجهة التي أتينا منها.

قلت لهم وأنا أشير إلى شارة المايكروفون الذي أحمله: BBC - لكن يبدو أنهم سئموا من كثرة تسليط أضواء عدسات أجهزة الإعلام العالمية على حياتهم وتحركاتهم في الأونة الأخيرة.

اعتذرت من الجموع التي احتشدت حولي وتركتهم يعودون إلى إتمام ترتيباتهم لمغادرة المعسكر الذي أصبح نصفه خاوياً.

أوى هذا المعسكر الآلاف من أبناء جنوب السودان الذين عاشوا طيلة سنوات الحرب وما تلاها إلى جوار أبناء الشمال.

حدثني مسؤول اللجنة الشعبية بالمعسكر أن العدد كان متساوياً تقريباً لكن ومنذ بدأية ما يسمي بمشروع "العودة الطوعية" للمناطق الأصلية اختفت الكثير من الوجوه وأصبحت الخارطة السكانية في مجملها محصورة في النازحين من نزاع أخر يدور في إقليم دارفور. الصفوف الدراسية فقدت أكثر من ثلثيها ولا يستطيع المسؤولون التربيون حصر المعدل النهائي بسبب استمرارية عملية التسرب من المدارس.

الراغبون في العودة نشطون في الوصول إلى حلمهم، والراغبون في البقاء يتحسرون على من مضوا من جيران لا يعلمون إن كانوا سيلتقون بهم مرة أخرى. العائدون لا يدرون ما الذي تعد به الأرض الجديدة التي ربما صارت دولة وليدة بعد أيام قليلة، والباقون لا يدرون إن كانوا ستحولون من مواطنين إلى أجانب بين عشية وضحاها. تفرقت بينهم السبل ولكن ما جمعهم هو عدم اليقين الذي يخيم على كل شيء هنا.

أكثر الموضوعات تفضيلا

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك