قبل أن تصبح "ستيلا" أجنبية في الخرطوم

مشاركون في استفتاء تقرير مصير جنوب السودان
Image caption احتفاظ الجنوبيين بالجنسية السودانية في حال الانفصال من أكثر القضايا الشائكة.

"ظل حلم السفر إلى الخارج يراود الكثير من الشباب السوداني الذي ضاق به الحال في بلاده، فإذا بي سأصبح أجنبية دون أن أغادر السودان".

هذا جزء قصير من مقال طويل للكاتبة الشابة ستيلا قايتانو نشرته قبل أيام قليلة من بداية الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان. تعود جذور ستيلا إلى الجنوب، لكنها تربت وعاشت صباها في شمال السودان، وهكذا الحال بالنسبة لما يُقدّر بمليوني جنوبي.

درست ستيلا الصيدلة بجامعة الخرطوم التي تخرجت منها قبل عامين، لكنها عُرفت برواياتها وقصصها القصيرة التي كتبتها بعربية فصيحة وعامية مغرقة في التقليدية تشير إلى جذور ثقافتها الضاربة في شمال السودان.

حيرة

ستيلا وغيرها من الجنوبيين الذين ما زالوا يعيشون في الشمال في حيرة من من أمرهم حيال وضعهم الذي لا يستطيع أحد أن يتكهن به الآن. فهي لم تسجل اسمها في قوائم التصويت في الاستفتاء، وبالتالي لم تصوت من أجل الانفصال. لكن يبدو أن كل ذلك لن يشفع لمن لا يقفون مع قرار الأغلبية في جنوب السودان.

فقضية احتفاظ الجنوبيين بالجنسية السودانية في حال الانفصال من أكثر القضايا الشائكة وأسرعها تأثيراً على من يرتبطون بها. فالجنوبيون، وإن حدث الانفصال، ظلوا مواطنين في السودان وحملوا جنسيتها لقرون؛ فهل يُعقل أن تُسقط عنهم الجنسية بين عشية وضحاها؟

نعم، قالها الرئيس البشير أكثر من مرة، "إن كانوا يرغبون في الاحتفاظ بالجنسية فعليهم التمسك بالوحدة، أما إذا قرروا الانفصال فلا يوجد شيء اسمه ازدواجية الجنسية".

Image caption أقرَّ السودان ازدواجية الجنسية في تسعينيات القرن الماضي.

اللافت أن السودان أقر ازدواجية الجنسية في التسعينيات، وبعد تسلم حكومة الإنقاذ للسلطة. ويوجد في عداد حكومة البشير الحالية عدد مقدّر من الوزراء والمسؤولين والنواب الذين يحملون الجنسية البريطانية، أو الأمريكية، أو الكندية، أو سواها.

تعديل القوانين

من هنا، فإن البروفيسور أكولدا ماتيرا، رئيس شعبة القانون الدولي بجامعة الخرطوم، يرى أن الأمر يتطلب تعديل قوانين الجنسية والمواطنة الحالية حتى يتم إسقاط الجنسية عن الجنوبيين. لكنه يعتقد أن الحل الأمثل هو منح الخيار للجنوبيين في الشمال وللشماليين في الجنوب بالاحتفاظ بالجنسية التي يحملونها، أو التخلي عنها.

فترة ما قبل الاستفتاء شهدت العديد من المبادرات الدولية والمحلية بشأن قضية الجنسية، لكن الخبراء يعتقدون أن الجنسية استخدمت ولا تزال تستخدم كورقة ضغط من الجانبين: الحكومة من ناحية والحركة الشعبية من ناحية أخرى.

لكن بعد تحديد الجنوب للمصير الذي يرنو إليه، فهل ستضيق المساحة التي تستخدم فيها هذه الورقة؟ الدكتور عطا البطحاني، أستاذ العلوم السياسية، يرى أن الجنسية ما زال لديها الكثير من القوة كأسلوب ضغط في المفاوضات التي ستلي مرحلة الاستفتاء.

في جامعة الخرطوم، تحدثت إلى مجموعة من طلاب الدراسات العليا؛ انقسمت الآراء إلى جزئين. جزء يعتقد بأن القضية أكبر من مجرد وثيقة تمنح بالقانون، فالتداخل الاجتماعي والانتماء الثقافي لجنوبيي الشمال ينبغي ألا يضعهم في تصنيف واحد مع من نشأوا في الجنوب ورغبوا في الانفصال عن الشمال. والجزء الآخر يرى أن المسألة ينبغي أن تُحسم بنتيجة التصويت، فإن صوتت الأغلبية للانفصال فليذهب كل الجنوبيين إلى وطنهم ويفقدوا حق الجنسية السودانية.

قوانين تجنيس

أشار إبراهيم، وهو من منطقة نهر الجور بجنوب السودان، لكنه عاش بالشمال لما يزيد عن الأربعين سنة، إلى أن قوانين التجنس في دول العالم المتقدم تسمح للمهاجر بالحصول على جنسية البلد إذا ما قضى فيه عشر سنوات أو يزيد قليلاً. "فما بالك بي أنا الذي وُلدت سودانياً وتزوجت وأنجبت أبنائي الأربعة في الشمال، هل يُعقل أن أفقد جنسيتي؟"

Image caption شهدت فترة ما قبل الاستفتاء العديد من المبادرات الدولية والمحلية بشأن قضية الجنسية.

لا أحد يستطيع أن يجزم بنعم أم لا في هذه المرحلة، فالقضية شائكة وربما أحدث الدول التي مرت بهذه التجربة كما ذكر البروفيسور ماتيرا هي تشيكوسلوفاكيا التي انقسمت إلى دولتين. فما قامت به الحكومة هناك هو أنها خيرت مواطنيها بالحصول على إحدى الجنسيتين التشيكية أو السلوفاكية.

ستيلا، صديقتي، لا تخفي شعورها بالاكتئاب من الاتجاه الذي آلت له الأحوال، مثلها مثل إبراهيم والآلاف غيرهما، تزوجت من شمالي وأنجبت طفلين.

تقول ستيلا: "ربما أصبحا السبب في احتفاظي بالجنسية، من يدري؟"