المأزق الذي يواجهه الجيش المصري:حماية النظام أم تجاوزه؟

دبابة مصدر الصورة AP
Image caption الجيش نزل الى الشارع خلال ساعات

مع نزول الجيش المصري إلى شوارع القاهرة والمدن الكبرى، يبرز السؤال: إلى أي مدى يمكن أن تخذل المؤسسة العسكرية المصرية المتظاهرين، وتنحاز إلى نظام الرئيس المصري لـ"إنقاذه" ؟

الصورة الراهنة تشير إلى مأزق ضمير تتعرض له هذه المؤسسة، فالمصريون والمحتجون بصفة خاصة ، يراهنون عليها باعتبارها "المنقذ" الذي قد يكون ولاؤه للدولة وليس للنظام أي نظام، وهو ما عبروا عنه بالهتافات، وبالتقاط الصور أمام المدرعات ومع العسكريين.

لكنها نفس المؤسسة التي منحت ولاءها التام للرئيس المصري وأمنت حكمه طوال أكثر من ثلاثين عاما. وهي مؤسسة عمل مبارك وبدأب خلال ترؤسه لها على تحييد قياداتها الشعبية بإبعادهم، سواء قسرا مثلما حصل مع وزير الدفاع السابق عبد الحليم أبو غزاله، أو بنقلهم إلى مواقع مدنية وخدمية غير مؤثرة.

وهي مؤسسة تعرض دورها الأقليمي لاحتواء متواصل تجلى واضحا في عزلها عن الملفات الحيوية للأمن القومي المصري بدءا من السودان وحتى غزة والأراضي الفلسطينية، أو التعاون العسكري مع الدول العربية المؤثرة في الإقليم.

وفي مقابل عزلها عن الدور الإقليمي الطموح للعسكرية المصرية، منذ نشوئها كجيش مجند من أبناء الشعب على أيدي محمد ونجله ابراهيم باشا وأحفاده في النصف الأول من القرن التاسع عشر، تمكن الرئيس مبارك وعلى مدى سنوات من ابعاد الجيش ايضا عن الصورة الداخلية وفصله عن المشاعر الشعبية، بإغراق العسكريين وعائلاتهم بالمكاسب التي تميزهم عن القطاعات الأوسع من الشعب، ومنها المساكن المدعمة والمستشفيات والنوادي، حتى دور السينما والفنادق ، والمنتجعات.

رغم ذلك أشارت الوثائق المسربة للخارجية الأمريكية عبر موقع ويكيليكس ، إلى أن الجيش لا يزال متمسكا بعقيدته التقليدية فقط فيما يتعلق بالوضع الإقليمي، ورفضه أن يتحول إلى آلية لمكافحة الإرهاب عبر الحدود مع إسرائيل، مقابل ما يتلقاه من معونات أمريكية تطالب واشنطن بان تصب لصالحها المشترك مع مصر وإسرائيل.

وتصر قيادات الجيش على أن هذه المعونات ليست منحه وإنما ثمن عادل مقابل دخول مصر في معاهدة سلام مع الدولة العبرية، بل أن أحد محاضر الجلسات المسربة، نقلت احتجاج قادة عسكريين مصريين على تقليص نصيب مصر من المساعدات العسكرية مقارنة مع ما تحصل عليه إسرائيل، بدلا من 3 إلى 2 لتصبح حسب التوزيع الراهن 5 إلى 2.

الجيش والتوريث

حسب ما تسرب من مصادر مصرية الليلة الماضية، فقد تردد الجيش في النزول إلى الشارع، لان الرئيس لم يطرح مخرجا أو ورقة يقدمها الجيش للمتظاهرين مقابل كسب ثقتهم.

في المرات السابقة والتي نزل فيها الجيش للشارع، كانت القيادة السياسية ترفق القرار إما بتراجع عن الخطوات التي تسببت في الأزمة مثلما فعله السادات بعد انتفاضة الخبز 1977 وما فعله ناصر بعد مظاهرات محاكمة الطيران في فبراير 1968 وحتى بعد احداث الأمن المركزي في عام 1986

المثير للدهشة أن أحدث الوثائق المسربة عن ويكيليكس ومنسوبة الى السفيرة الأمريكية الحالية في القاهرة مارجريت سكوبي، تشير إلى أن الجيش لم يعد يمانع في توريث السلطة وانتقالها بشكل ناعم من مبارك الاب إلى مبارك الابن، رغم ما تردد سابقا عن معارضة المؤسسة العسكرية لذلك.

وطبقا للوثيقة التي نقلت عن الوزير السابق على الدين هلال، أحد رموز تيار جمال مبارك، والبعض يصنفه بأنه عرابه السياسي، فإن الجيش "لا يمانع طالما نضمن له مصالحه الاستثمارية في نقل السلطة لحاكم مدني يقصد ضمنيا جمال مبارك" لان الجيش مقتنع بالانتقال الدستوري للسلطة.

استمرار مظاهر الاضطراب في مصر، قد يستتبعه أيضا تغير أو "بعث الدم" في روح تلك المؤسسة العسكرية المهملة، التي وجدت نفسها فجأة محل ترحيب ومسؤولية لم تتحسب لها يوما.

فالعسكريون النظاميون الذين ينتمون لكل طبقات الشعب وانتماءاته الجغرافية والدينية، تلقوا الاستدعاء من الثكنات والمصالح الاستثمارية من نفس القائد الأعلى الذي حيدهم طوال العقود الماضية فيما اطلق يد معكسر رجال الأعمال في تحديد المصالح العليا لمصر، حسب معلقين كثيرين، لكنهم الآن وبعد أن اختفى ذلك المعسكر يجدون أنفسهم مطالبين بحماية نظام لم يشاركوا فعلا في صياغة عقيدته.

لكن المهمة ليست سهلة، فالهيكل السياسي والأمني لهذا النظام توارى ولم يتحطم تماما، والجيش، الذي وردت أنباء عن وقوع بعض الاشتباكات بينه وبين قوات الأمن، لم يحسم أمره بعد، هل يتدخل لحماية النظام فقط دون الاكتراث بالأمن العام، أم يعلن سيطرته على كل شيء بما في ذلك حماية الأمن العام؟

ربما لن تأتي الإجابة متأخرة في انتظار تسوية الأوراق السياسية للنظام، فقد استغرق الأمر خمس ساعات كي ينزل الجيش فعليا إلى الشارع بعد صدور اوامر نشره، وربما تكون المؤسسة العسكرية في انتظار مزيد من الضغط الشعبي الذي يقصي الواجهة السياسية تماما ويجعلها فعليا وواقعيا في مهمة انقاذ عاجلة.