شهور مبارك، بين أنصار التغيير ودعاة الثورة

جانب من المظاهرات المطالبة برحيل مبارك مصدر الصورة AFP
Image caption يرغب المتظاهرون في رحيل مبارك على الفور

إن احتدام الخلاف حول بقاء الرئيس مبارك في السلطة لعدة شهور أخرى ولو حتى بشكل رمزي أو وجوب تنحي النظام بالكامل في الوقت الراهن، يشير إلى الفارق الجوهري بين دعاة التغيير وأنصار الثورة.

ربما يكون مبارك (82 عاما) هو آخر المعنيين بالبقاء، فقد سلم بأنه لا يريد الترشح مجددا وأن نجله أو أيا من عائلته لن يترشح كذلك ، ومن ثم قد يبدو الحديث عن كرامته واحترامه مجرد مبالغة إعلامية من المحيطين به او أركان نظامه.

فبقاؤه ولو رمزيا، تأكيد على أن النظام لم يهزم في وجه الاحتجاجات، ومن ثم يكون بوسعه- أي النظام- استعادة زمام المبادرة بإجراءت من داخل هيكليته وتنظيم صفوفه على صورة ما فعله الرئيس السادات فيما سماه بثورة التصحيح في مايو/ أيار 1971.

وقتها انقلب الرئيس الراحل على العناصر المناوئة له في التنظيم الحاكم (الاتحاد الاشتراكي) واستمال العناصر الموالية معيدا تقديمها للجماهير تحت مسميات جديدة وبتغيير متدرج.

التنظيم السياسي الحاكم في مصر هو الحزب الوطني الحاكم الذي أسسه السادات في عام 1978 وارثا حزب مصر الذي انبثق من الاتحاد الاشتراكي، وحتى هذه اللحظة لا يزال من بين رموزه وقياداته من عملوا في التنظيمات الحاكمة منذ الفترة الناصرية (صفوت الشريف، مفيد شهاب، فتحي سرور وكمال الشاذلي، والامين العام السابق للحزب الذي توفي الشهر الماضي)، بل أن كثيرا منهم يتطلعون لتجاوز الأزمة الراهنة للعمل في المرحلة المقبلة.

سيناريو التصحيح/ التغيير، تكرر في اليومين السابقين بمنع عدد من رموز الحزب الوطني الحاكم ووزرائه من السفر وتجميد أموالهم تمهيدا لمحاكمتهم، بدعوى أنهم التفاحات الفاسدة، رغم أنهم كانوا قبل تفجر الانتفاضة الراهنة محرك الحزب وقلب لجنة السياسات التي لا يزال يرأسها جمال مبارك.

وقد خرج صفوت الشريف الأمين العام للحزب على شاشة التليفزيون الخميس مؤكدا أن لا أحد فوق المساءلة وأن الحزب قادر على تطهير صفوفه، وهو ما يعني ضمنيا أن الحزب لا يزال مصرا على شرعية حكمه.

كما أن رئيس الوزراء الجديد أحمد شفيق لا ينفي أنه رئيس حكومة الحزب الوطني، الذي أحرقت مقاره ووجهت أصابع الاتهام لقياداته.

تطلعات الثورة

إذن لو نفذ التغيير سواء بنقل الرئيس لصلاحياته لنائبه، أو ببقائه الرمزي، فسيكون ذلك حسب مراقبين ، أشبه بالنموذج السوفييتي في الاكتفاء بتغيير رئيس المكتب السياسي للحزب الشيوعي للإعلان عن بدء مرحلة جديدة.

ويتخوف المحتجون من أن يكون هذا التغيير وفترة انتقاله السلس، كافيا بإعداد قيادة من داخل النظام تواصل نفس السياسات مع تغيير الشخوص، مع ملاحظة أن السادات كان نائبا لعبد الناصر عندما تولى السلطة ومبارك كان نائبا للسادات، وربما يكون النائب هو الرئيس القادم.

سيناريو التغيير قد يكون مرضيا للمحيط الإقليمي وللولايات المتحدة والغرب، وملبيا للمتطلبات الأمنية من دولة محورية إقليمية مثل مصر، لكنه لن يلبي بالضرورة طموحات الذين خرجوا إلى الشارع، متطلعين إلى دولة جديدة ذات عقد اجتماعي جديد، وسياسات جديدة.

الذين يرفعون شعار دولة مدنية لجميع مواطنيها تعتمد صناديق الاقتراع كمرجعية، يشككون فيما قدمه النظام حتى الآن من تنازلات، فالثورة تعني قطيعة مع النظام السابق الذي يدمج الحزب الحاكم بالدولة، ويجعل المعارضة ديكورا للديمقراطية، ويعتمد أسلوب الزعيم الملهم.

هذه الدولة يتفق عدد كبير من المحللين المصريين على أنها لا يمكن أن تقوم في ظل الحزب الراهن أو الدستور الراهن أو بالاعتماد على المؤسسة العسكرية في إنتاج الرؤساء.

لكن هذا النموذج الثوري يتبناه شباب المحتجين والجماعات غير الممثلة في النظام "أحزاب التغيير (الجبهة -الغد- الكرامة) والبرادعي والاخوان المسلمون، لكنه يواجه بجبهة واسعة من القوى التقليدية والاحزاب التقليدية التي لا تمانع في الحل الوسط، مقابل جزء من كعكة التغيير.

كما أن واشنطن والعواصم الغربية التي تلح على مبارك لإحداث التغيير تقول "نأمل في انتقال سلس وسريع وفوري للسلطة"، تعني انتقالا منظما داخل الهيكل القائم. فالعواصم الغربية والمحيط الإقليمي تخشى أن تؤدي ثورة حقيقية إلى إفراز نظام شعبوي غير مطلوب في الشرق الأوسط حاليا.