ورطة الاعلام المصري مع التغيير

مصر مصدر الصورة BBC World Service
Image caption تحول المتظاهرون للاعلام غير المصري لمتابعة اخبار ثورتهم مع تجاهل الاعلام المصري الرسمي والخاص لها

لم يكن خبر منع وزير الاعلام المصري انس الفقي من السفر مفاجئا، بل ربما جاء اقل من تطلعات كثير من المحتجين المصريين في ثورة الشعب التي اطاحت بنظام مبارك.

ولم تعد المسالة الان مسالة اشخاص بعد ثمانية عشر يوما ظهر فيها الاعلام الرسمي المصري من تلفزيون واذاعة وصحف منفصلا تماما عن الشعب الذي يفترض انه يموله.

ولم يقتصر الامر على الاعلام الرسمي، بل طال الاعلام غير الرسمي الذي يملكه رجال اعمال ليسوا بعيدين عن النظام لم يقصر في تضليل مشاهديه ومتابعيه.

لكن الورطة الحقيقية هي ان محاولة استعادة بعض المصداقية تبدو وانها جاءت بنتائج عكسية، اذ لم ينطلي على جماهير المصريين انقلاب الاعلام مئة وثمانين درجة من مؤيد شرس للنظام وحاشيته الى مؤيد متحمس للثورة ومنتقدا للنظام بعد خلع رئيسه بساعات.

فقد بث التلفزيون المصرى صباح السبت بيانا هنأ فيه الشعب والجيش على نجاح "الثورة العظيمة".

وخرجت الصحف الرسمية مثل الاهرام والجمهورية بعناوين تمتدح الثورة وتبشر بانهيار النظام، وهي التي كانت حتى قبل يوم واحد تتهم ابناء الشعب بانهم اصحاب "اجندات" اجنبية ومخربين.

بيان التلفزيون المصري اعقبه السبت بيان لبعض العاملين فيه استنكروا "موقف اتحاد الإذاعة والتليفزيون فى تضليل الرأى العام المصرى" وطالبوا بمحاكمة قياداته من وزير الاعلام ورئيس الاتحاد ومدير الاخبار.

ويسخر المصريون الان بشدة من وجوه شهيرة على القنوات الحكومية والخاصة وفي الصحف كانت تسبح بحمد النظام وتصور الثورة على انها "قلة مندسة"، وانقلبت فجأة متحمسة للثورة وكاشفة عن مظالم نظام مبارك.

هامش حرية

لا شك ان مصر شهدت في السنوات الاخيرة هامش حرية اعلامية ضيق، لكنه امتلأ بمنافذ يملكها رجال اعمال يدورون في فلك النظام.

واستخدمت تلك المنافذ من صحف وقنوات فضائية اما في خوض معارك لصالح اصحاب رؤوس الاموال، سواء مع الحكومة او رجال اعمال منافسين، او للترفيه المدر للاعلانات دون جودة عالية.

وسمح ذلك بالتنفيس قليلا من كبت الجماهير المنسحبة سياسيا والمقموعة امنيا، كما الهاها الاعلام المثير (على طريقة الصحف الصفراء) عن كثير من قضاياها المصيرية، حسب تعبير بعض الاعلاميين المصريين ممن عملوا في مؤسسات دولية.

لكن ثورة الجماهير وضعت الجميع في ورطة حقيقية لم تسعفهم فيها مهنية عالية او مصداقية كبيرة لدى الجماهير.

فاحدى القنوات الفضائية التي كانت تنافس التلفزيون الحكومي في متابعة نشاط نجل الرئيس المرشح لخلافة والده تجد نفسها في مازق حقيقي لكشف مساوئه الان.

حتى ان بعض المذيعين على القنوات الخاصة الذين تعللوا بانه كانت تمارس عليهم ضغوط لعدم قول الحقيقة لم يقنعوا كثيرا من مشاهديهم، الذين اضطروا للتحول للجزيرة وبي بي سي والحرة لمتابعة اخبار ثورتهم هم انفسهم.

واذا كان النظام السابق في مصر لم يسمح للقنوات الخاصة بتقديم الاخبار، والتفت تلك القنوات على ذلك بالبرامج الحوارية، فان فرصة ان تطور هذه القنوات من عملها الان ضعيفة مع فقدان المصداقية عن جماهيرها المستهدفة.

اعلام الحكومة

اما الاعلام الرسمي، فالواضح حتى الان ان الجيش الذي يدير البلاد سيحافظ عليه كوسيلة اساسية لمخاطبة الجماهير بشأن اجراءاته لتحقيق التحول الديموقراطي.

لكن ذلك لا يعني ان أي حكومة مقبلة يمكن ان تتغاضى عن التضليل والتزييف الذي انتهجه الاعلام خاصة في اسابيع الثورة.

ويتهم كثير من المتظاهرين والمواطنين التلفزيون المصري، وبعض القنوات الخاصة الى حد ما، بانهم ضضلوا الجماهير الى حد تعريض حياتهم للخطر خاصة بعد غياب الامن المصري تماما مساء الجمعة 28 يناير/كانون الثاني.

ومن تابع الاعلام المصري في ذلك الوقت لاحظ انه كان يقوم بدور مقصود، وليس اعلاما لنقل المعلومة او الخبر ولومنقوصا او مشوها.

لكن مشكلة أي نظام حكم جديد هي ان اتحاد الاذاعة والتلفزيون يعمل به عشرات الالاف من الموظفين، ويعني التخلص منه او تقليصه تسريح الالاف في وقت تسعى فيه الدولة لامتصاص غضب الناس الذين لم يفيقوا بعد من حجنم الفساد المالي الذي نندوا به في ثورتهم.

اما الصحف المسماة بالقومية، فهي مملوكة للمجلس الاعلى للصحافة التابع لمجلس الشورى ويرأسه وزير الاعلام السابق وامين عام الحزب الوطني الاسبق واحد المقربين من بمارك صفوت الشريف.

ولا يمكن لتلك الصحف اذا تركت للسوق الحر ان تستمر لكثافة العمالة فيها وفقدانها لنصيب كبير من سوق القراء، ناهيك عن تراجع سوق الاعلانات للاعلام المطبوع بعد انتشار مواقع الاخبار الاليكترونية.

الامر شبه الاكيد الذي يجمع عليه كثير من المهتمين بالاعلام ان أي نظام حكم جديد في مصر، خاصة لو كان ديموقراطيا شفافا كما هو مأمول، لا يمكنه الاحتفاظ بهذه المنافذ الاعلامية الكثيرة والمتضخمة والمترهلة والضعيفة مهنيا.

ربما يتم توزيع قدر من العالمين فيها على جهات حكومية اخرى لامتصاص صدمة تسريح عشرات الالاف، والاحتفاظ بتلفزيون مصغر (لا يضم عشرات القنوات الحكومية كما هو الحال الان) وترك الصحف القومية للسوق تدريجيا.

وسيؤدي ذلك الى ضرورة ان تعمل تلك المؤسسات على تحسين مهنيتها والتنافس بضراوة مع الصحف والتلفزيونات الخاصة ما يزيد الضغط على الاخيرة.

وربما تكون تلك فرصة لبروز منافذ اعلامية جديدة مهنية وقادرة على مواكبة مرحلة ديموقراطية حقيقية في مصر تتجاوز ورطة الاعلام الرسمي والخاص الحالي.