الثورة المصرية: سياسة الخطوات المحسوبة

ميدان التحرير وسط القاهرة مصدر الصورة Getty
Image caption صار ميدان التحرير مزارا يؤمه الناس للاحتفال يتنحية حسني مبارك

لم تغب أجواء البهجة عن شوارع مصر بعد ثلاثة أيام من الهبة الشعبية التي أطاحت بنظام حسني مبارك، فلا تزال الجموع تتدفق على ميدان التحرير الذي يتحول كل ليلة إلى مزار يتدفق عليه الآلاف للاحتفال وليس للتظاهر، ولا تزال الأعلام المصرية تباع بكل أحجامها على كوبري قصر النيل امتدادا من الجيزة وعبر الجزيرة المؤدية للميدان.

وأنت تسير في ذلك الطريق، سيسترعي انتباهك نظافته، وستلحظ أن حجارة الأرصفة قد طليت مجددا باللونين الأبيض والأسود كما طليت أعمدة الكهرباء الحديدية التي تعود للعصر الملكي باللون الأخضر، وراء كل ذلك مئات الشباب والفتيات الذين تركوا ساحة الاحتجاج وانصرفوا للعمل في حماسة ظاهرة.

هذه الفرحة التي تلمع في عيون الرجال والنساء من مختلف الأعمار، تعكس اعتقادا راسخا بأن ما حدث كان ثورة شعبية، لكن بوادر الاختلاف تبدو في التفاصيل.

فعلى صعيد الحكم، يبدو أن المجلس العسكري الحاكم يفضل الخطوات التدريجية والمتأنية في التعامل مع تفكيك بنية النظام السابق، بل ولا يمانع في الإبقاء على بعض منها في إطار المرحلة الانتقالية، في أسلوب يجمع بين الجديد والقديم.

في مؤتمره الصحافي، يوم الأحد، كان رئيس الحكومة أحمد شفيق يصحح خبرا تناقلته وسائل الإعلام عن منع 43 مسؤولا ووزيرا من السفر دون إذن رسمي، مؤكدا أن المسألة تتعلق بالحصول على إذن قبل السفر، ولما سئل هل يشمل ذلك الوزراء الجدد أم القدامي؟ قال "الاثنين فمن بين الوزراء الجدد بعض القدامى".

تتفاوت التفسيرات بشأن تأني المجلس العسكري في خطواته، البعض يقول إن الجيش فوجئ بما حدث ولم يكن مستعدا له، وآخرون يقولون إن الجيش لا يريد الإقدام على قفزات غير محسوبة.

ولذلك لا تزال الحكومة القديمة الجديدة على هيئتها رغم إعلان المجلس يوم الأحد تعطيل العمل بالدستور والقانون وحل مجلسي الشعب والشورى واضطلاعه بمسؤولية البلاد لمدة ستة أشهر أو لحين اجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

سألت الكاتب الصحفي جمال فهمي وهو من المعارضين البارزين لنظام مبارك عن "فلسفة الثورة"، قال: "لا أعتقد أن الجيش يرغب في الحكم، فالأمر كان بالنسبة له غير متوقع ومن ثم يتعين منحهم بعض الوقت، حتى يتم تحديد رؤية واضحة للمرحلة القادمة".

شظايا الثورة

عندما تتطلع حولك ستجد أن أكثر الرموز تعبيرا عن النظام السابق، هم القيادات الإعلامية في الصحف الرسمية وجهاز الاذاعة والتليفزيون، هذه القيادات لا تزال في مواقعها لكنها حولت مواقفها من النقيض إلى النقيض، فصاروا الأكثر نقمة على نظام مبارك بعدما كانوا أشد المدافعين عنه.

في مبنى الإذاعة والتليفزيون حاصر أكثر من مائتي عامل وصحفي مكتب رئيس قطاع الأخبار احتجاجا على سياساته المناهضة لثورة الشباب، والأمر نفسه تكرر في مؤسسة روز اليوسف، وفي مؤسسة دار المعارف ودار التحرير، ووكالة أنباء الشرق الأوسط ولنفس الأسباب.

وأمام وزارة الداخلية تظاهر الآلاف من أمناء وجنود الشرطة احتجاجا على سوء المعاملة وضعف الرواتب، متهمين الحكومة بحرمانهم من الامتيازات التي يحصل عليها الضباط وعائلاتهم.

أما العاملون بعقود مؤقتة في وزارة التربية والتعليم فقد حاصروا مكتب الوزير هاني هلال لست ساعات، ولم ينقذهم منه سوى اتصال هاتفي من وزير المالية تعهد لهم فيه بتعيين المئات منهم بصفة دائمة.

النقابي كمال عباس، رئيس دار الخدمات العمالية، وهي مؤسسة غير حكومية تعنى بحقوق العمال، توقع المزيد من هذه الاحتجاجات في الفترة المقبلة، والسبب –في رأيه- أن الأنظمة المتعاقبة قد حرمت العمال من تنظيماتهم النقابية المستقلة، ووضعت على رأس هذه النقابات والاتحاد أشخاصا يمثلون أجهزة الأمن أكثر من تمثيلهم للعمال.

هل يمكن لتشظي الاحتجاجات في كل محافظة ومصنع أن يؤدي لصدام حتمي مع السلطة؟ لا أحد يعرف خاصة بعدما رُفع الغطاء عن مظالم ظلت مكتومة لعقود، عندما انحازت الحكومة لنظام اقتصادي ينحاز لأصحاب العمال على حساب العمال، كما يقول كمال عباس.

لكن رئيس الوزراء المصري، أكد مجددا في مؤتمره الصحفي، أن مصادر الدولة محدودة، وأنه لن يكون بوسعها تلبية المطالب التي تتصاعد باستمرار.

غير أن أغلبية المصريين متفائلون، و يعرفون أنهم قد يواجهون مصاعب على الطريق، لكنهم في الوقت الراهن على الأقل فرحون بـ "عودة الروح".

المزيد حول هذه القصة