أوباما يسعى إلى بلوغ إجماع على ليبيا

مسلح من المعارضة الليبية في بنغازي (24/02/11) مصدر الصورة Getty
Image caption تعاني ليبيا من خلافات داخلية ذات طابع عشائري

يبدو من الواضح أن النظام الليبي يعيش مراحله الأخيرة؛ وليس مستغربا أن تُطرح الأسئلة بشأن ما سيحل بالبلاد بعد زواله.

لكن ليبيا بلد لا يستوحي أبسط مقومات الدولة الحديثة والعادية.

لقد أقام العقيد معمر القذافي نظاما شخصيا لا يدع المجال مفتوحا لأي كان غيره وغير أسرته وأقرب المقربين إليه، وأكثرهم من أبناء قبيلته، القذاذفة.

وعلى عكس تونس أومصر، تغيب عن ليبيا قوى كان من الممكن أن تساعد على انتقال مرن للسلطة، من قبيل الأحزاب السياسية، والنقابات، ومجموعات المعارضة والمجتمع المدني.

لقد اشتهر هذا البلد بغياب شبه تام لمؤسسات فعالة، لأن كل السلط تجمعت بين يدي "الأخ الزعيم".

عبادة الشخصية هذه تفسر نوعا ما الدوافع التي تدفع العقيد القذافي إلى المقاومة حتى الرمق الأخير. وعلى الرغم من أن سلطته تضعف بقدر زحف المعارضة واقتراب قواتها، فإنه لايزال يحكم قبضته على طرابلس، قاعدة قوته التقليدية.

لكن وحتى إذا ما ظل متشبثا بالمدينة، فإن قدرته على الحكم أصبحت في حكم المنعدمة. لقد نسف سلوكه خلال الأيام القليلة الأخيرة كل ما قد يكون تبقى له ولنظامه من المصداقية، كما أن القمع بمفرده غير كاف لمساعدته على الحفاظ على مقعده.

هجمات انتقامية

كل هذا يضع ليبيا في مأزق. لأن هذا يعني غياب أي شخصية يمكنها توحيد الصفوف وتسلم القيادة، مما سيفتح البلد أمام مخاطر فراغ في السلطة.

ومن شأن هذا أن يجعل ليبيا مسرحا للاعبين جدد ومتنوعين، وبدرجة أولى زعماء العشائر الذين سيحاولون تأكيد أنفسهم، أو على الأقل ضمان السيطرة على مناطقهم.

واستنادا إلى تاريخ النزاعات القبلية في ليبيا، من المستبعد أن تكون الفترة الانتقالية فترة تناغم. ومما يزيد الطين بلة السلاح الذي استولى عليه المحتجون والذي يجعل من اندلاع أعمال عنف بين أفراد المجتمع الليبي إمكانية شديدة الاحتمال.

وثمة العديد من الليبيين يخشى أن يسقط البلد في أتون الفوضى والقلاقل، أو -في حالة أسوأ- الحرب الأهلية.

لكن وبينما تُعد الحرب الأهلية سيناريو مبالغا فيه، يبدو النزاع والعنف أمرا جد محتمل. وفي مثل هذه الحالة تُعدُ الغارات الانتقامية السيناريو الآكثر احتمالا.

ومن المستبعد -في إطار هذا التحليل- أن يفلت عناصر قوات الأمن التابعة للقذافي الشهيرة –وخاصة منها اللجان الثورية الممقوتة- دون أن يمسهم الأذى.

كما أن احتمال اشتباك عصابات مسلحة مما سيتبقى من نظام القذافي مع أطراف ليبية أخرى ذات مطامع، لا يبشر بخير.

ولتجنب مثل هذه الفوضى يتطلع بعض الليبيين إلى الجيش لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وذلك بالإطاحة بالعقيد القذافي والإشراف على العملية الانتقالية.

لكن الجيش الليبي تنقصه المهنية، كما يعاني من الانقسام ومن التهميش الذي فرضه عليه الزعيم الليبي طوال سنوات حكمه تفاديا لانقلاب محتمل.

أضف إلى ذلك قلة علامات تغيير الولاء في صفوف العسكر لحد الآن.

ومع ذلك فقد انشقت بعض عناصر الجيش وانضمت إلى المحتجين، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين والدبلوماسيين.

وينعقد أمل ليبيا على هذه الشخصيات التي قد تساهم بمساعدة عدد آخر من ممثلي المجتمع الليبي في التمهيد لعملية انتقال مرنة بعد غياب القذافي.

وقد يشمل هؤلاء الممثلون أفرادا من المعارضة الليبية في الخارج، والمثقفين الداعين إلى الإصلاح إلى جانب المؤسسة الدينية التي بادرت إلى دعم المحتجين منذ الأيام الأولى.

وعلى هذه النخبة أن تعمل جنبا إلى جنب مع أعيان العشائر لإنقاذ البلد.

لكن هذا السيناريو لا يخلو من مخاطر. وذلك لأن اجتماع مثل هذا الشتات بما يحمله تاريخهم من آثار النزاع واتفاقهم على موقف موحد أمر مشكوك فيه.

والأهم من ذلك، أن التأييد الذي قد يحظى به قادة سابقون في الجيش الليبي بغرب ليبيا، قد ينعدم في شرقييها.

فلقد كانت للشرق الليبي علاقة متوترة مع النظام ومع الغرب بشكل عام، ولا يُستبعد أن يرفض سكان الشرق الليبي كل حل قد يعني بالنسبة لهم استمرار هيمنة أهل الغرب.

وهناك إيحاءات –قد تستند إلى شيء من الواقع- بأن أهل الشرق قد يعلنون انفصالهم واستقلال منطقتهم. وكل محاولة من هذا الشأن تعني مزيدا من الفوضى وحمامات الدم.

مخاوف نفطية

يهدد ليبيا نزاع تعتمل جذوره حاليا. ولكن كيف سيتعاطى المجتمع الدولي مع الأحداث المقبلة مسألة لم تتوضح بعد.

إن انهيار الدولة الليبية سيكون له انعكاسات خطيرة على أوروبا بشكل خاص، على الأقل فيما يتعلق بالتزود بالنفط، وبمعضلة الهجرة غير القانونية.

وقد يكون الرهان الأفضل هو بلوغ تلك الشخصيات القادرة على تدبير المرحلة الانتقالية، وعرض المساعدة عليها من أجل بناء الدولة على المدى البعيد. مثل هذا الدعم سيكون مصيريا إذا ما استمرت ليبيا بعد القذافي.

وفي تلك الأثناء، ستتابع بلدان الجوار عن كثب مجريات الأحداث في ليبيا.

فليبيا مزعزعة هي آخر ما تتمناه مصر وتونس اللتان تحاولان جاهدتين تدبير مرحلة انتقالية كل على حدة.

وبينما لن يأسف أحد لسقوط القذافي، فإن البلدين المجاورين ينظران بعين القلق إلى ما قد يترتب عن سقوطه المحتمل من الناحية الاقتصادية. لأن ليبيا كانت مصدر عمل بالنسبة للآلاف من المصريين والتونسيين، ولأن تجارة الحدود كانت مزدهرة.

أما بالنسبة لباقي منطقة [المغرب العربي] فلا يعدو القذافي أن يكون مجرد مهرج، والقليل سيحزنون لرحيله.

لكن انتصار الشعب في ليبيا سيكون له صدى كبير في المنطقة خاصة في الجزائر، وسيكون إنذارا للأنظمة ومشعل أمل لشعوب تتطلع إلى التغيير.

المزيد حول هذه القصة