القذافي والحرب الأهلية في لبنان

القذافي مصدر الصورة Reuters (audio)
Image caption القذافي دعم فصائل لبنانية بالمال خلال الحرب الأهلية في لبنان

دخل العقيد القذافي على مكتب المسؤول الليبي عن الملف اللبناني عبدالسلام جلود حيث كان بانتظاره موفد لبناني من القوى والفصائل التى كانت في بيروت ايام الحصار الاسرائيلي في صيف عام 1982. توجه مباشرة الى الكرسي مقابل الموفد. استراح في مقعده فمال نزولا، ثم اسند راسه على الجزء العلوي من المسند. نظر الى الضيف وقال له قبل ان يسمع منه: " انتحروا".

فوجىء الموفد بكلام القذافي، فحاول ان يشرح له وضع بيروت المحاصرة ومحاولة القوى اللبنانية والفلسطينية صد الهجمات المتكررة لاحتلال العاصمة والحاجة الماسة الى الدعم المالي.

لم يكترث القذافي، فكرر الدعوة والقول: " انتحروا ولا توقفوا القتال".

شرح له الموفد مجددا الاصرار على القتال الا اذا قرر رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات الذي كان في بيروت، الرضوخ للضغوط العسكرية والخارجية للانسحاب من العاصمة، عندها لا يمكن للقوى الوطنية ان تكمل بمفردها كما قال الموفد للعقيد الليبي.لم يعط القذافي انبطاعا انه كان يستمع، ثم وقف وخرج من الاجتماع، ففهم الضيف ان ما اتى لتحصيله لن يتم.

لقد دعم القذافي بالمال فصائل لبنانية عدة في خلال الحرب الاهلية وهو بخلاف صدام حسين الرئيس العراقي السابق، لم يدعم تلك الفصائل على اساس قربها او عدمه من سوريا بسبب الخلاف العراقي السوري شبه الدائم.

كما ان ليبيا وبالتنسيق مع السوريين اقامت وبعد اجتياح اسرائيل عام 1982، قاعدة ارتباط عسكرية في منطقة حمانا في جبل لبنان وليس بعيدا عن الحدود مع سوريا للتنسيق مع الفصائل اللبنانية والفصائل الفلسطينية الموجودة في لبنان و التى كانت ليبيا على علاقة وطيدة معها امثال الجبهتين الشعبية والديمقراطية بالاضافة الى ابو نضال (صبري البنا) الذي تزعم حركة فتح المجلس الثوري.

"دروس بالوطنية"

كانت العلاقة بين النظام الليبي والحركة الوطنية اللبنانية قد بدات بعيد اندلاع الحرب عام 1975وانقسام البلد بين جبهتين، واحدة حملت اسم الجبهة اللبنانية التى كانت تضم الاحزاب المسيحية والاخرى حملت اسم الحركة الوطنية التي كانت تضم احزابا وقوى تنادي باصلاح النظام والدفاع عن القضية الفلسطينية.

وسجلت زيارات عدة من قبل الحركة الوطنية الى ليبيا طلبا للدعم المادي لاستكمال القتال. ويذكر احد المشاركين في لقاء جمع وفدا من الحركة الوطنية يراسة زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي الراحل، كمال جنبلاط، ان القذافي انفعل خلال هذا اللقاء على اداء الحركة الوطنية في الحرب واعطى توجيهات ونظريات فما كان من كمال جنبلاط الا ان وقف مبلغا القذافي انه لا ياخذ دروسا بالوطنية من احد.

هذه الواقعة احدثت توترا في العلاقة وما يشبه القطيعة مع القيادة الليبية لفترة من الزمن.

ومن ابرز محطات تلك العلاقة ان مقاتلين لبنانيين من الحزبين الشيوعي والتقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط ارسلوا الى ليبيا مطلع الثمانينات بطلب من العقيد الليبي ومقابل بدل مادي لمساعدته في قتاله مع تشاد.

يومها ارسل الحزب الشيوعي اللبناني ثلاثمئة مقاتل والحزب الاشتراكي خمسمئة بقوا في ليبيا اشهرا عدة. ويقول احد الذين ارسلوا الى ليبيا ان التبرير الذي اعطي للمقاتلين هو ان الدفاع عن ليبيا بوجه تشاد هو "ضمن الخط السياسي للفصيلين لجهة الالتزام بالقضايا العربية والقومية".

وقد جرى ارسال المقاتلين بمقاتلات عسكرية ليبية عن طريق دمشق.

وضع المقاتلون على الحدود مع تشاد في قاعدتين، قاعدة سارة وقاعدة لوار وكانت المهمة هي الدفاع وليس الهجوم وصد اي تقدم تشادي الى داخل الاراضي الليبية، لكن المواجهة في تلك الفترة لم تقع .

بقي التمويل الليبي للفصائل مستمرا وان كان متقطعا حتى بعد انتهاء الحرب الاهلية. ففي مطلع التسعينات وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي اعتبر العقيد اليبي ان هنالك "قوى ثورية تيتمت" فأسس الحركة الثورية الديمقراطية العربية التى ضمت فصائل فلسطنية ولبنانية عدة بما فيها حزب الله بحيث بقي لسنوات المسؤول في حزب الله عمار الموسوي مسؤول التنسيق فيها.

لكن الحضور الليبي في الحياة السياسية اللبنانية من خلال ما كان يدفعه من مال، تراجع مع الوقت وبقي لبعض الاشخاص من مسؤولي الاحزاب والفصائل علاقات شخصية من خلال بعض المصالح والاستثمارات . ولا يعرف رقم لما دفعه القذافي خلال حرب لبنان. لكنه سبق ان صرح انه انفق في حرب السنتين عامي 1975 و1976 سبعمئة مليون دولار لفصائل المتقاتلة في لبنان.

المزيد حول هذه القصة