لبنان: التسرب المدرسي يهدد مستقبل كثير من التلامذة في المناطق الفقيرة

التسرب المدرسي، ظاهرة اخذة بالاتساع بين ابناء الطبقات الفقيرة في لبنان ومنها منطقة عكار التي تعتبر واحدة من المناطق الاشد فقرا في لبنان.

عوامل عديدة اقتصادية واجتماعية تقف وراء تفاقم هذه الظاهرة، اما النتيجة المباشرة فهي ضياع مستقبل كثير من الطلبة اذ قد يجعلهم في المستقبل فئة مهمشة ويزيد نسبة الجهل بكل ما تعنية ووقوع بعضهم في براثن الجهل والانحراف وحتى الجريمة.

ولرصد هذه الظاهرة قصدنا منطقة عكار شمال لبنان لنجد ان بعض المدارس الرسمية ومنها مدرسة بلدة ببنين تشهد تسربا بين طلابها يصل الى اربعة بالمئة سنويا.

محمد السيطري واحد من اولئك الطلبة الذين تركوا المدرسة في سن مبكرة منذ ان كان في الصف الرابع الاساسي، وهو استبدل القلم والكتاب بزيوت وادوات تصليح السيارات ، اما السبب كما يقول فهو ما عاناه من واهلة من ضنك العيش.

تبدو على وجه محمد علامات الاجهاد والتعب وهو يعمل بجد داخل محل لميكانيك السيارات ، وفي حديثه مزيج من الالم والامل فاللون الاسود للزيوت والشحوم يصبغ ثيابه ويعلو محياه وهو لم يبلغ بعد سن السادسة عشرة .

يمسح محمد بيده ما تصبب على جبينه من عرق ويستذكر ايام تركه المدرسة فيقول :" كان والدي يعمل حينا ويتوقف عن العمل حينا اخر ، لم يكن لدينا مال فخرجت من المدرسة لأعمل كي احصل على المال، والان الحمد لله "ماشي الحال" وسأصبح ضليعا في ميكانيكا السيارات ومن ثم سافتح محلا خاصاً بي واحصل منه على المال".

لكن محمدا هو من القلة الذين حصلوا على عمل ، اذ ان كثيرا من اهالي المنطقة يحذرون من قلة فرص العمل فيها وتفشي البطالة والجهل في صفوف المتسربين من المدارس ما يؤدي ببعضهم الى الانحراف أو التسول او الوقوع في براثن الجريمة، ومن هنا تأتي مطالبتهم للمسؤولين بانماء المنطقة ومحاربة الفقر فيها

احد الاباء واسمه سمير يؤلمه ما يعانيه اهالي المنطقة من فقر فيقول بحدة واضحة في نبرة صوته:" الناس هنا تعيش على البركة، الله يتكفل بعيشهم، وكما ترى فان الطفل يكون في عمر عشر سنين ثم يأتي ليعمل في ميكانيك السيارات ، فلو كان هناك مسؤول عن هؤلاء الاطفال ولو كان هناك دولة تحمل همومهم لكان ينبغي ان يكون هؤلاء في المدرسة جميعهم ، لكن لا مسؤول في هذه الدولة ".

حسن مصطفى حسين وهو طالب يدرس كهرباء الابنية في احد المدارس المهنية يتدخل ليقول ل بي بي سي :" عندنا هنا شباب من حملة الاجازات الجامعية لكنهم لم يحصلوا على وظيفة او فرصة عمل ولذا لا سبيل امامهم سوى ان يكونوا عمالا مياومين "

بعدما ودعنا محدثينا تابعنا سيرنا نحو مدرسة ببنين الرسمية للصبيان اذ انها تشهد تسربا بمعدل سنوي يصل الى اربعة بالمئة بين التلامذة.

التحديق في وجوه تلامذة الصفوف الابتدائية يظهر معاني البراءة ابرز الاسباب هنا الرسوب المتكرر.

محمد خير الدين الرفاعي - مدير مدرسة ببنين للصبيان يقول ل بي بي سي:"هناك بعض التلامذة في الصف الرابع الاساسي بلغوا سن الخامسة عشر من العمر ، والطالب منهم يشعر ان لا امكان ليتأقلم مع الصف ، كما انه يفتقد لمن يقوم بمساعدته على الدراسة في المنزل ما يؤدي به الى الرسوب المتكرر وبالتالي ترك المدرسة".

ويوضح الرفاعي "ان هناك اسبابا اخرى بينها عدم تاقلم التلميذ مع الاستاذ اذا كان الاستاذ غير مطلع على الطرق الحديثة للتعليم والتعامل مع التلامذه".

وتعاني كثير من المدارس من عدم وجود العدد الكافي من المرشدين التربويين القادرين على اكتشاف ومعالجة العقبات التي تواجه الطلبة.

حسن منيمنة – وزير التربية اللبنانية يوضح ل بي بي سي :" لقد بدأنا العمل في ثمانين مدرسة على تأمين الدعم المدرسي للطلبة الذين يعانون مشاكل دراسية ، اذ سيتم اعطاؤهم دروس تقوية عبر خبراء تربويين ، فكلما استطعنا تخفيض نسبة الرسوب فاننا سنتمكن من الحد من التسرب المدرسي"

ويضيف منيمنة ان هناك خطوة اخرى قامت بها وزارة التربية وهي ارسال مشروع قانون يقضي بالزامية التعليم في لبنان ويلزم الاهل بارسال ابنائهم الى المدارس ولا يسمح بوجود طفل دون الخامسة عشرة خارج المدرسة، وينص على غرامات بحق الاهالي الذين يسمحون لابنائهم بترك المدرسة للزج بهم في سوق العمل".

ومن العوامل المساعدة على التسرب المدرسي هو الزيادة الكبيرة في عدد الاسرة الواحدة في الارياف .

ووسط تحذيرات خبراء التربية من خطورة التسرب المدرسي تبدو المسؤولية جسيمة لحل هذه المعضلة وهي تبدأ من المنزل لتنتهي في المجتمع وخاصة لدى السلطات المختصة.