اليمن: هل هي بداية النهاية؟

عسكريون يمنيون يلتحقون بالانتفاضة على نظام الرئيس علي عبد الله صالح مصدر الصورة BBC World Service
Image caption يعبِّر العديد من اليمنيين عن فرحتهم بما يجري، أو يكادون لا يصدقون ما يحدث.

مع احتفاله بعيد ميلاده السادس والستين، واجه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح اليوم الاثنين واقعا جديدا تمثَّل بظهور منافس عسكري جديد له، وقد ظهر على الساحة فجأة ليتحدث باسم الثورة الشعبية في وجه نظامه، ويسعى للإطاحة بعائلته من سدَّة الحكم التي يتربَّع عليها منذ قرابة 32 عاما.

إنَّه اللواء علي محسن الأحمر، قائد المنطقة الشرقية في الجيش اليمني، الذي أعلن الاثنين بشكل مفاجئ تأييده للثوار المطالبين بالديمقراطية ورحيل عبد الله صالح عن الحكم.

انتشار الدبابات

أمام بوابة القصر الرئاسي في العاصمة صنعاء، انتشرت الدبابات والعربات المصفَّحة التابعة لأمرة أحمد عبد الله صالح، نجل الرئيس. كما تموضعت الدبابات أيضا خارج مقر وزارة الدفاع ومبنى المصرف المركزي.

وتأتي عمليات الانتشار الدفاعية هذه لحماية سلطة الرئيس عبد الله صالح في أعقاب إعلان اللواء الأحمر انشقاقه عنه، والذي تزامن أيضا مع خطوات أخرى مشابهة قام بها عدد من الوزراء والسفراء والبرلمانيين ورجال الأعمال خلال الأيام القليلة المقبلة.

وقد اكتسبت عمليات الانشقاق هذه زخما وسرعة إضافيين يوم الجمعة الماضي عندما فتحت مجموعة من القنَّاصة نيران أسلحتها على مخيَّم كان المعتصمون المطالبون بالديمقراطية قد أقاموه في العاصمة منذ اندلاع الانتفاضة، الأمر الذي أسفر عن مقتل أكثر من 50 شخصا وإصابة آخرين بجروح.

حل سياسي

مصدر الصورة AP
Image caption عزف الرئيس عبد الله صالح بمهارة على وتر المخاوف والفوضى التي قال إن البلاد ستغرق فيها في حال خسارته للسلطة.

وأدان مسؤولون أمريكيون "بأقوى عبارات الشجب والاستنكار" أعمال العنف التي وقعت يوم الجمعة، وعبَّروا عن أملهم بأن يتمكن اليمن من التوصُّل إلى حل سياسي عن طريق الحوار والمفاوضات.

كما تدفع الإدارة الأمريكية أيضا باتجاه خط المفاوضات والحوار، وذلك منذ أن بدأت حركة الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية تكتسب زخما في شهر يناير/كانون الثاني الماضي.

وقد عزف الرئيس عبد الله صالح بمهارة على وتر المخاوف والفوضى التي قال إن البلاد ستغرق فيها في حال خسارته للسلطة.

إلاََّ أن الثقة المطلوبة لتحقيق تسوية سياسية ظلَّت غائبة، إذ أعاد سياسيو المعارضة حساباتهم، العملية التي أفضت بهم إلى نتيجة مفادها أن لا شيء يمكن أن يكسبوه من خلال التوصل إلى صفقة لتقاسم السلطة مع النظام.

وكنتيجة لذلك، فقد ساد جوٌّ من الجمود، بينما خرج الشباب اليمني إلى الشوارع بأعداد لم يسبق لها مثيل، يدفعهم إلى ذلك شعورهم بالإحباط حيال فشل وإخفاقات جيل السياسيين في البلاد بأكمله.

"قراءة خاطئة"

وقد استندت المحاولات الأخيرة التي بذلتها الولايات المتحدة لتشجيع الحوار بين الأحزاب على قراءة خاطئة إلى حد كبير للحراك وللديناميات السياسية الحقيقية في اليمن.

مصدر الصورة AFP
Image caption مع انشقاق اللواء الأحمر، فقد انكشف أخيرا التنافس القائم منذ أمد طويل بين الفصائل المختلفة داخل النظام الحاكم.

فبينما ركَّز الدبلوماسيون انتباههم على الأحزاب السياسية المُعترف بها، انتقل إلى العلن بشكل تدريجي النقاش حول الفجوات الموجودة بين المؤسسات الرسمية للدولة وبين شبكات الرعاية والفساد المتداخلة بشكل وثيق الصلة مع نظام الرئيس عبد الله صالح.

ومع انشقاق اللواء الأحمر، فقد انكشف أخيرا التنافس القائم منذ أمد طويل بين الفصائل المختلفة داخل النظام الحاكم.

أمَّا الآن، فينتظر اليمنيون لكي يروا ما الذي سيحدث في الفترة المقبلة، لاسيما وأن مواقع التواصل الاجتماعي، مثل موقع تويتر، تعجُّ بالتكهنات.

فالعديد من اليمنيين يعبِّرون عن فرحتهم بما يجري، أو يكادون لا يصدقون ما يحدث، لا سيَّما مع وجود احتمال الإطاحة بنظام الرئيس عبد الله صالح من الحكم، وإن كان البعض يحذرون من وقوع مجزرة، أو حرب أهلية في البلاد.

توتر وقلق

ويشعر المتظاهرون من دعاة الديمقراطية بالتوتر والقلق من احتمال اختطاف المؤسسة العسكرية والمصالح التجارية لثورتهم الشعبية، وذلك لطالما أن هؤلاء ببساطة هم من سيسمُّون وجها جديدا لحكم البلاد، وذلك بدون إدخال أي تغييرات جوهرية على الوضع الحالي القائم.

ووفقا لهذا السيناريو، فمن المتوقَّع أن يلعب اللواء الأحمر خلال الفترة المقبلة دور "صانع الملوك"، بينما قد يخرج السياسي المعارض حميد الأحمر كأحد أكثر المستفيدين من كل ذلك.

مصدر الصورة Getty
Image caption انتهج الأمريكيون نهجا حذرا مع الرئيس عبد الله صالح، مقارنة بالرسائل الأكثر حدَّة حيال مبارك والقذافي.

وقد يتعيَّن على المسؤولين الأمريكيين الآن إجراء مراجعة سريعة لحساباتهم بشأن مصالحهم في اليمن على المديين القصير والبعيد.

فحتى تاريخه، انتهج الأمريكيون نهجا حذرا مع الرئيس عبد الله صالح، وهو نهج بدا وكأنه تغريد خارج السرب إذا ما قُورن بتلك الرسائل الأكثر حدَّة، والتي وجََّهتها الإدارة الأمريكية لكل من الرئيس المصري السابق حسني مبارك والعقيد الليبي معمََّر القذافي خلال الأيام الأولى من بدء الاحتجاجات الشعبية ضدهما.

"اللعبة انتهت"

فقد أبلغ الأمريكيون القذافي، وقبله مبارك، بأن اللعبة انتهت، وذلك في غضون أيام من اندلاع الاضطرابات في بلديهما، ووصول الأمور إلى نقطة الحرج أو اللاعودة.

والأمر الحاسم الذي أثََّر على صانعي القرار الأمريكي هو تقديرهم بأن فرع القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ومركزه في اليمن، يُصنَّف على أنه من أكثر الفروع فاعلية في التنظيم "الإرهابي العالمي".

لقد دأبت الإدارة الأمريكية على مرِِّ سنوات عدََّة مضت على تقديم العون والتدريب اللازمين لوحدات النخبة من الاستخبارات وقوات الأمن اليمنية، والتي يرأسها نجل الرئيس وأبناء أخيه.

ويشعر البيت الأبيض بالقلق حيال خسارة مثل هذه العلاقات مع الوكلاء المحليين الذين أبدوا خلال الفترة الماضية استعدادا للتعاون مع عمليات مكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

مخاطرة أمريكية

مصدر الصورة Reuters
Image caption انحسر الدعم الداخلي الذي كان يحظى به عبد الله صالح بسرعة مع سقوط قتلى في المواجهات.

إلاَّ أنه كلَّما حاول المسؤولون الأمريكيون الإبقاء على عبد الله الصالح وعائلته في الحكم، كلََّما خاطروا بإلحاق الضرر بمصالحهم.

فاليمنيون غاضبون من حقيقة أن وحدات من قوات الأمن المركزي المدعومة أمريكيا، ويقودها أحد أبناء شقيق الرئيس عبد الله صالح، قد لعبت دورا بارزا في قمع المتظاهرين. كما أن الغازات المسيلة للدموع، والمصنوعة في الولايات المتحدة ويُقال إنها كانت مخصصة للاستخدام في عمليات مكافحة الإرهاب، قد استُخدمت أيضا خلال مهاجمة المتظاهرين.

نعم، لقد نجح الرئيس عبد الله صالح باللعب على مرِّ العديد من السنين على وتر المخاوف من الفوضى وخسارة سيطرته على مقاليد الأمور في البلاد، لكن الدعم الداخلي الذي كان يحظى به آخذ بالانحسار بسرعة.

المزيد حول هذه القصة