شبح العراق يعاود الظهور في الأزمة الليبية

مصدر الصورة Reuters
Image caption مشهد لاحق لغارة جوية على طرابلس

من تحت ركام المباني المدمرة ودخان المركبات المحترقة في مجمع العزيزية الذي يتمترس فيه العقيد القذافي، كان هناك شبح يخيم على المشهد بأكمله.. إنه شبح العراق.

التدخل العسكري الغربي الأخير في ليبيا هو أكبر عمل عسكري ينفذه حلف شمال الأطلسي منذ حرب العراق.

وبالنسبة للكثيرين فإن الهدف يظل واحد لم يتغير .. تغيير النظام.

وحتى عندما كان البنتاجون يعلن أن العقيد معمر القذافي ليس هدفا في حد شخصه، كانت الصواريخ الأمريكية بعيدة المدى تضرب معقله الحصين في العزيزية بطرابلس للمرة الثانية خلال 25 عاما.

وقبل أسبوعين من بدء عملية "فجر الاوديسا" لفرض منطقة لحظر الطيران فوق ليبيا ، وقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما ليعلن هدفه بوضوح .. "لابد للعقيد القذافي أن يرحل".

ولكن الآن وبعد أن بدأت العمليات العسكرية تقول الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون إنهم ببساطة يوفرون الحماية للمدنيين الليبيين ويضمنون تنفيذ منطقة حظر الطيران فوق ليبيا على نحو ما نص عليه قرار مجلس الأمن رقم 1973.

والواقع أن ذلك القرار ما كان ليصدر على الإطلاق لو أن فيه شبهة دعوة لتغيير النظام الليبي.

ورغم الشواهد التي تشير إلى عكس ذلك، يبدو القادة الغربيون حريصين على التأكيد أن القذافي شخصيا ليس على قائمة أهدافهم ، وأن ما هاجمته الطائرات والصواريخ الغربية في العزيزية هو مركز قيادة عسكري وليس منزلا للقائد الليبي.

أسئلة مطروحة

وخلال الحملتين اللتين شنهما التحالف الغربي على العراق عامي 1991 و 2003 ، حرصت الولايات المتحدة وبريطانيا على إخفاء ما تضمرانه من نوايا تجاه صدام حسين.

أما الآن فإن بعض المسؤولين الأمريكيين لا يتوانون عن الاعتراف باحتمال أن يظل الزعيم الليبي في السلطة بعد انتهاء عملية فجر الأوديسا.

فقد صرح الأدميرال مايك مولن رئيس أركان الجيش الأمريكي بأن بقاء القذافي في السلطة ربما كان إحدى النتائج المحتملة .

ويرى الجنرال كارتر هام المشرف على فرض الحظر الجوي على ليبيا بأن مثل تلك النتيجة ربما لا تكون مثالية ولكنها هو شخصيا لا يستبعدها.

ويقول الرئيس أوباما الآن إن هناك فرقا بين تنفيذ قرار الأمم المتحدة وبين سياسته الشخصية الرامية لإنهاء حكم القذافي.

مزيد من التساؤلات

لماذا وافق التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة على التدخل من الأصل إذا كان يعلم أن الموقف سيكون متميعا لهذه الدرجة.

أم أن التحالف تأخر كثيرا في التدخل، ربما نحو شهر كامل منذ بداية الانتفاضة الليبية، وبشكل ازادات معه صعوبة الإطاحة بحكم القذافي.

وكما توقع الكثيرون فإن الضربات الجوية وحدها لن تكون كافية الآن ، خاصة وأن القتال يتركز في مناطق مأهولة بالسكان.

ومع استبعاد استخدام أي قوات أرضية ، هل يعني ذلك تزويد المعارضين بالأسحلة الثقيلة في مواجهة أسلحة الجيش الليبي.

ومن الواضح أن كلا من واشنطن ولندن ترغبان في أن يكون مصدر الإطاحة بالقذافي هو الداخل الليب وليس الخارج.

النوايا الحقيقيض

الحرب على نظام القذافي لا تزال في بداياتها الأولى. ولكن هذه عملية كان يفترض أن تمضي بخطى سريعة .

ومع الاتهامات التي وجهتها الجامعة العربية وغيرها للغرب بتجاوز التفويض الممنوح له من مجلس الأمن ، يكون مفهوما أن واشنطن ولندن حريصتان على تأكيد الطيبعة المحدودة لأهداف فجر الأوديسا.

لقد كان مشهد مئات الصواريخ الكروز وهي تضرب طرابلس كفيلا بأن تعيد الدول العربية التفكير في موقفها الداعم لضرب الجيش الليبي ، حتى بالرغم من التحذيرات الأمريكية السابقة التي أشارت إلى أن منطقة حظر الطيران تعني أنه سيتعين على قوات التحالف أن تكون البادئة بالهجوم.

ولكن بالرغم من كراهية أنظمة عربية عديدة للعقيد معمر القذافي ، أعرب كثير من القادة العرب عن تخوفهم من النوايا الحقيقية التي تضمرها كل من واشنطون ولندن.

غير أن الولايات المتحدة وبريطانيا شرعتا من جديد في توجيه ضربات جوية مؤلمة ضد زعيم في الشرق الأوسط كانتا قبل شهور قليلة سعيدتين بمشاركته في المشروعات الاقتصادية العملاقة.

وكان واضحا أن الدولتين قررتا تجاهل ما يقاسيه زعماء آخرون في المنطقة وهم يسعون جاهدين لإخماد ما لديهم من ثورات شعبية مماثلة لما حدث في ليبيا.

وأحد المعاني الكامنة في العملية العسكرية ضد ليبيا أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد انضم لقائمة طويلة من الرؤساء الأمريكيين الذي اختاروا اللجوء للقوة في الشرق الأوسط.

وليس ثمة ما يمنع أوباما من التصريح برغبيه في التخلص من القذافي سوى القانون الأمريكي الذي يمنع رؤساء الولايات المتحدة من اغتيال قادة أجانب ، وذلك بموجب الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان عام 1981.

ولكن ذلك الأمر لم يمنع الطائرات الأمريكية من قصف معقل العقيد القذافي عام 1986 وذلك ردا على هجوم على أسفر عن مقتل عدد من الجنود الأمريكيين في مرقص في برلين.

هل يتجه التاريخ إلى تكرار نفسه مرة أخرى .. ربما. فرئيس الوزراء البريطاني توني بلير يقول إن هذه العملية ليست العراق .

ولكن إذا قدر لعملية فجر الأوديسا أن تستمر بلا حسم ، وهو ما يبدو أنها تتجه إليه ، فإن الأمر قد يصبح مماثلا لما كان عليه العراق بعد حرب الخليج الأولى عام 1991.

سينتهي الأمر وقتها إلى ليبيا مقسمة يسيطر الثوار على أجزائها الشرقية تحت حماية الغرب ، بينما يتشبث القذافي بمنطقة طرابلس وما حولها ويعيش تحت وطأة العقوبات الدولية.