الأزمة السورية: هل تُرضي وعود الإصلاح المحتجين؟

تحت ضغط الأحداث في مدينة درعا جنوبي سورية والتي تهدد بالخروج عن نطاق السيطرة، عرض الرئيس بشار الأسد وحكومته البعثية مجموعة متنوعة من القرارات والوعود التي تبدو جيدة على الورق.

مصدر الصورة AP
Image caption صور وبوسترات بشار الأسد منتشرة في شوارع المدن السورية

ويبقى السؤال قائما عن مدى تماسك هذه الوعود وعما إذا كانت قادرة على وقف هذه الانتفاضة التي أطاحت قبلا بنظامين راسخين في المنطقة –بتونس ومصر- والتي تدق أبواب عدد من الأنظمة الأخرى.

وأول اختبار لمصداقية وفعالية هذه الإجراءات الموعودة سيكون بعد صلاة الجمعة. فقد دعا عدد من المعارضين إلى إحياء يوم الكرامة وإلى تعميم احتجاجات درعة على المستوى الوطني.

وبينما كانت السلطات تعلن عن إجراءاتها، انتشرت قوات الأمن بشكل مكثف في درعا، حيث لقي بضعة عشر شخصا مصرعهم رميا بالرصاص خلال الأيام القليلة الماضية، حسب بعض الإحصاءات.

كما ألقت الشرطة السرية في دمشق وفي مدن وبلدات سورية أخرى القبض على عدد من المعارضين السياسيين والكتاب والمدونين المطالبين بالديمقراطية، حسبما ذُكر.

لكن التلفزيون السوري أعلن في وقت متأخر من يوم الخميس أن الرئيس الأسد قد أصدر أوامره بالإفراج عن كل من ألقي عليه القبض أثناء الأحداث الأخيرة.

محادثات الكواليس

في البداية، أعربت دوائر المعارضة عن تشككها في الوعود التي أعلنت عنها مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان بعد اجتماع لحزب البعث الحاكم، ترأسه الأسد.

وأنهت هذه الوعود المعلنة 36 ساعة من الصمت الرسمي والإعلامي حيال ما يعتمل في درعا وتبعاته، والتي علامة على أن محادثات مكثفة كانت تجري وراء الكواليس من تحديد الطريقة المثلى للتعامل مع الوضع.

وتندرج التدابير المقترحة تحت 3 خانات: إجراءات لتهدئة الوضع في درعا؛ وتدابير للتعامل مع الوضع الاقتصادي للبلد؛ وأخرى هدفها الاستجابة إلى مطالب سياسية ومكافحة الفساد.

ففيما يتعلق بدرعا، أعلنت شعبان تشكيل لجنة رفيعة المستوى للعمل مع سكان المدينة للتحقق مما حدث، ومحاسبة المسؤولين عن الأزمة أو أولئك الذي فشلوا في التعامل معها.

وقبل ذلك أقال الرئيس الأسد حاكم المنطقة فيصل كلثوم عديم الشعبية والذي كانت إقالته أحد المطالب الرئيسية للمحتجين.

وأصدر الرئيس السوري كذلك مرسوما يُغير قانون الملكية في المناطق الحدودية، وذلك استجابة فيما يبدو لأحد مطالب سكان درعا حيث لا يمكن بيع أو شراء أي قطعة أرض دون المرور عبر جهاز الأمن السري.

وتعتمد قدرة هذه الإجراءات على نزع فتيل أزمة على مدى جدية واستمراية تطبيق ما تضمنته من وعود. هذا إذا لم يكن الوقت قد فات.

ففي نفس الوقت الذي اعتبرت فيه شعبان -ووسائل الإعلام الرسمية- أن مطالب أهل درعا "مشروعة"، واصلت اتهامها "العصابات المسلحة" والاستخبارات الإسرائيلية بالوقوف وراء تلك الاضطرابات.

كما حرصت على التأكيد أن الرئيس السوري أصدر أوامر بمنع استخدام الرصاص الحي، موحية بأن القوات هي التي انتهكت التعليمات.

"ربيع دمشق"

لطالما استمع السوريون إلى كلمات المداهنة التي كان يكيلها المسؤولون للإصلاح والتقدم ومكافحة الفساد، ولكنها كانت جعجعة دون طحين.

ولقد انتعشت الآمال لفترة وجيزة سميت ربيع دمشق، وآمن الناس بإمكانية تفتح سياسي بعد أن خلف رئيس تلقى تعليما غربيا والده حافظ الأسد عام 2000.

لكن الجناح المحافظ في حزب البعث عزز من صفوفه، فتلاشت أمال وجهود الإصلاح، وانهار الحوار السياسي، وانطلقت مجددا اتقالات طالت المعارضين.

وفي موازاة مع ذلك تعرضت عملية الخصخصة للتلاعب لإثراء من هم في السلطة، مما أدى إلى انتشار شعور بالاستياء والسخط والتبرم من استفحال الفساد.

بعض المعلقين السياسيين يشكون في قدرة النظام على إصلاح نفسه، خاصة فيما يتعلق بهذه المسألة، لأن جذور الداء تضرب في أعماق أقرب أقارب الرئيس.

ولكن الوضع الحالي قد يتحول إلى مسألة مصيرية تتطلب من النظام بعض التنازل إذا أراد الاستمرار، وإلا كان مصيره الانهيار أما دفق الغضب الشعبي.

وبعد الأحداث التي كان يصعب تخيلها في تونس ومصر لا شيء الآن يمكن أن يستبعد. وهذا ما يعيه الساسة السوريون.

لقد تابعوا عن كثب الطريقة التي انتهجتها الأنظمة العربية الأخرى للتعامل مع ثوراتها الشعبية.

ويبدو أن القيادة السورية امتنعت لحد الآن عن اتخاذ إجراءات قمعية كتلك التي استخدمتها لسحق انتفاضة جماعة "الإخوان المسلمون" في حماة 1982، مستوحية في ذلك النموذجين التونسي والمصري على أمل أن تُوقف الانتفاضة بإجراءات تهدئة.

ونظريا إذا نفذت الإصلاحات بسرعة وحزم، فإنها ستكون قد استجابت لجميع المطالب الأساسية.

المزيد حول هذه القصة