أكراد سورية على أمل استعادة جنسيتهم

فتيات كردية يحتفلن بعيد النوروز مصدر الصورة AFP
Image caption احتفل الأكراد السوريون بعيد "النوروز" مؤخرا

يُعدُّ قرار الرئيس السوري، بشار الأسد، بتشكيل لجنة لحل مشكلة ما بات يُعرف بـ "الأكراد الأجانب" في سورية، أو "الأكراد السوريين"، أول مسعى رسمي لمعالجة أحد أبرز مطالب الأقلية الكردية، وهو إعادة الجنسية السورية لأفرادها بعد أن حُرموا منها بموجب إحصاء عام 1962.

وكان الرئيس السوري قد أمر بتشكيل ثلاث لجان، إحداها لدراسة سبل حل مشكلة إحصاء عام 1962 الاستثنائي، الذي أُجري في محافظة الحسكة الواقعة شمال شرقي البلاد، وهي المركز الرئيسي للأكراد في سورية، وذلك في عهد رئيس الجمهورية، ناظم القدسي، ورئيس حكومته، بشير العظمة، إبَّان فترة الانفصال عن مصر.

وحدد الأسد موعدا زمنيا للجنة لتنهي دراستها وذلك قبل 15 نيسان/ أبريل الجاري، بحيث ترفعها إليه تمهيدا لإصدار قرار بمنح الجنسية السورية لأكثر من 300 ألف من أكراد سورية.

وفور الإعلان عن الخطوة، سارعت وسائل الإعلام الرسمية والخاصة إلى رصد ردود الفعل في المناطق الكردية على القرار، إذ بثت محطات التلفزة لقطات ظهر فيها أكراد يعبِّرون فيها عن أملهم بـ "استعادة الحقوق المسلوبة".

"حزمة قرارات"

ويأتي تشكيل اللجنة المذكورة في إطار حزمة من القرارات بينها تشكيل لجنة لدراسة إيقاف العمل بقوانين الطوارئ المفروضة في البلاد منذ عام 1963 وإطلاق سراح المعتقلين، وذلك في مسعى لتلبية مطالب المشاركين في الاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ الخامس عشر من الشهر الماضي، وأودت بحيات العشرات من المواطنين وعناصر قوات الأمن.

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

يُشار إلى أن أكراد سورية، وهم أكبر أقلية عرقية في البلاد، ظلّوا يعتبرون حرمانهم من الجنسية السورية نوعا من "الظلم" الذي يتعرضون له على مرِّ العقود الماضية، الأمر الذي أسهم في اتجاه العديد من القيادات والكوادر الكردية في البلاد نحو معارضة الحكم.

وكان القادة الأكراد قد اعتبروا الوعود التي قطعتها السلطات السورية في السابق مجرَّد "تكرار لما كان قد أُعلن مرارا من قبل" ولم يجد طريقه للتنفيذ.

ومن بين الخطوات التي ظلوا يطالبون بها "رفع قوانين الطوارئ، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والاعتراف بالأكراد وحقوقهم المشروعة"، وهو ما تعد السلطات السورية الآن بإنجازه قبل نهاية الشهر الجاري.

"وحدة وطنية"

وفي حين اعتبرت القيادة السورية الخطوة الجديدة جزءا من مسعاها لـ "تعزيز الوحدة الوطنية"، رأى الكثير من المراقبين أنها ترمي إلى كسب ودّ الأكراد وثنيهم عن المشاركة في الاحتجاجات التي يدعو المعارضون لنظام الرئيس الأسد إلى تنظيمها في عموم البلاد.

وكانت قيادات سياسية كردية في سورية قد أصدرت بيانا الشهر الماضي حثت فيه على إحياء عيد رأس السنة الكردية (النوروز) بهدوء، مع التشديد على مطالب القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة.

مصدر الصورة AFP
Image caption الأسد في زيارة لمناطق الأكراد

وطالب عمر أوسي، رئيس المبادرة الوطنية للأكراد السوريين، بالإسراع في حل مشكلة إحصاء عام 1962 "الذي جرَّد عشرات الآلاف من الأكراد السوريين من هوياتهم السورية".

ودعا أوسي في تصريحات صحفية إلى "دمج الأكراد السوريين في الحياة الوطنية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وإلى إفساح المجال أمام تطور العادات والطقوس والثقافة واللغة الكردية".

إحصاء في 24 ساعة

وكان تقرير سابق لمنظمة هيومان رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان قد ذكر أنه في عام 1962 أجرت السلطات السورية إحصاء سكانيا في غضون 24 ساعة في محافظة الحسكة السورية فقط.

وقالت المنظمة إن الحكومة السورية في حينها أقدمت على تلك الخطوة بناء على المرسوم التشريعي رقم 93 لعام 1962، وذلك بسبب ما اعتبرته "تسربا لعدد من مواطني الدول المجاورة إلى المحافظة".

ونتيجة لإحصاء عام 1962، تم تجريد حوالي 120 ألف كردي سوري من الجنسية السورية، وفقدوا بالتالي حقوق ملكية ممتلكاتهم بعد أن أصبحوا بلا جنسية.

واعتبرت الحكومة السورية أولئك الأكراد منذئذٍ "أجانب سوريين"، ومنحتهم وثائق خاصة بهم أطلق عليها وثيقة "الأجنبي السوري".

360 ألف

وفي تقرير أصدرته في عام 2005، قالت منظمة العفو الدولية (أمنستي إنترناشيونال) إنه نتيجة للتزايد الطبيعي للسكان أصبح عدد المحرومين من الجنسية السورية من الأكراد في ذلك العام يتراوح ما بين 200 و360 ألف شخص.

وقال تقرير المنظمة الدولية إن الإحصاء جاء ضمن ما أطلقت عليه الحكومة السورية حينذاك "مشروع الحزام العربي" الذي كان يهدف إلى "تعريب" المنطقة الكردية عن طريق ترحيل الأكراد من مناطقهم وإسكان عشائر عربية فيها بهدف منع التواصل الديموغرافي بين أكراد سورية والأكراد الموجودين في كل من تركيا والعراق.

ومن نتائج ذلك الإحصاء أيضا أنه لم يعد يتم الاعتراف بزواج من تم تجريده من الجنسية السورية، حتى لو كان أحد الزوجين مواطنا سوريا، وبالتالي يصبح أطفاله بالتبعية مجردين من الجنسية أيضا.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption يتطلَّع السوريون إلى الانتقال إلى مرحلة من الإصلاح الشامل

كما كان من نتائجه أيضا أن أفراد العائلة الواحدة انقسموا بين مواطنين "كاملي الحقوق" و"أجانب سوريين"، فقد ترى أحدهم يحمل الجنسية السورية وشقيقه لا يحمل أي جنسية.

وأصبح ممنوعا على الكبار من أولئك "الأجانب السوريين" العمل لدى الدولة، وإن حالف أحدهم الحظ ووجد فرصة عمل لدى القطاع الخاص، فهو لا يتمتع بأي حقوق لأن عقد عمله لا يسجل في سجلات الضمان الاجتماعي لأنه ممنوع من العمل أصلا.

تغيير أسماء القرى

وتقول مصادر كردية إن الحكومات السورية المتعاقبة قامت بتغيير أسماء عدد من القرى الكردية وأطلقت عليها أسماء عربية "بهدف إزالة ما يشير إلى هويتها الكردية".

ورغم اعتراف المسؤولين السوريين في السابق، وعلى أعلى المستويات، بوجود مشكلة المجردين من الجنسية، إلا أن السلطات لم تتخذ أية خطوات في سبيل معالجتها.

فقد تلقى الأكراد السوريون في الماضي العديد من الوعود من أعلى المستويات، بما فيهم الرئيس الأسد ونائبته نجاح العطار. إلا أن المشكلة لا تزال مستمرة حتى الآن.

ولا توجد إحصاءات رسمية لعدد الأكراد في سورية، لطالما أن السلطات السورية لا تعترف بوجود البعض منهم كمواطنين سوريين.

غير أن تقديرات مركز "تشاتام هاوس" للأبحاث والدراسات في العاصمة البريطانية لندن تشير إلى أن عددهم يتراوح ما بين المليون ونصف إلى المليوني نسمة، أي حوالي 10 بالمائة من إجمالي عدد السكان في البلاد تقريبا.

معاقل الأكراد

ويتركز الوجود الكردي في سورية في شمال وشمال شرقي البلاد، أي في محافظة الحسكة وريف مدينة حلب، بالإضافة إلى وجود العديد من العائلات ذات الأصول الكردية التي سكنت مدينة دمشق منذ عدة قرون واندمجت في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمدينة.

وفي عام 2004، قُتل العديد من الأكراد خلال اشتباكات جرت بين قوات الأمن وعدد من الأكراد أثناء إحيائهم ذكرى ضحايا مذبحة حلبجة في كردستان العراق.

كما قُتل في العام نفسه 11 شخصا في مصادمات بين العرب والأكراد جرَّاء حوادث شغب وقعت خلال مباريات لكرة القدم في مدينة القامشلي في محافظة الحسكة، إذ انتشرت أعمال العنف لتشمل عددا من المدن والبلدات والقرى المجاورة.

المزيد حول هذه القصة