المجلس الوطني الإنتقالي الليبي يطل على العالم من نافذة طائرة البانام الأميريكية

لوكربي مصدر الصورة BBC World Service
Image caption تفجير لوكربي: بدقائق معدودة تجاوز المجلس الوطني الانتقالي طمغة ألصقها الغرب بليبيا على مدى عقود من حكم العقيد القذافي

يحلو للبعض أن يصنف السياسيين الليبيين في المجلس الوطني الانتقالي المعارض في خانة المبتدئين الذين يتلمسون الطريق.

غير أن اتصالات دولية مركّزة وحملة دبلوماسية انتجت وبسرعة ملفتة اعترافات بالمجلس من دول نافذة يدل على أنهم من المبتدئين المجدّين الذين يُحسب لهم حساب.

ما من جديد في القول إنه لم يكن في ليبيا شيء اسمه "معارضة" بالمعنى المعهود للكلمة وذلك على مدى اثنتين وأربعين سنة. فالمراس السياسي ظل طوال تلك الفترة إما ضمن إطار الوظيفة العامة وتحت سقف النظام وإما انسلاخاً عن النظام وهذا يعني المنفى.

رب قائل محقّ بأن دولا غربية كفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة لم تكن تحتاج كثير إقناع لتعترف بالمجلس الانتقالي، فأي شيء مقبول بدلا من (العقيد) معمر القذافي.

ولكن يجب الاعتراف بأن المجلس ومن وراءه عرفوا "من أين تؤكل الكتف"، خصوصا إذا كان من وراءه دبلوماسيون مخضرمون كالمندوب الليبي السابق لدى الأمم المتحدة عبد الرحمن شلقم، والمحطة الأولى واشنطن.

"ضربة معلّم" أن يتوجه الليبيون الذين يعيدون ثورتهم على الحاكم إلى شكواهم من الظلم إلى أفئدة الرأي العام الأميريكي الذي يشكو ظلما من المصدر ذاته: نظام العقيد معمر القذافي.

فحادثة تفجير طائرة بانام الأميريكية فوق بلدة لوكربي في اسكتلندة بالمملكة المتحدة عام 1988 نكأت جراحها التي لمّا تندمل خطوة إطلاق سراح المدان الوحيد في القضية عبد الباسط المقرحي، بحجّة تدهور وضعه الصحي، وهي حجة لم تنطلِ على أحد.

محامي أسر الضحايا جايسون ماكيو زار مدينة بنغازي بدعوة من المجلس الانتقالي ليجتمع إلى رئيسه القاضي مصطفى عبد الجليل ويوقع معه وثيقة تفاهم بين من يعتبرون أنفسهم "ضحايا لجانٍ واحد".

ومن أبز ما جاء في البيان المشترك الذي تلاه ماكيو منفرداً أن المجلس الوطني الانتقالي:

  1. يقدّم اعتذارا اختياريا وصادقا لأسر وضحايا لوكربي نيابة عن شعب ليبيا الحرّة،
  2. يعرب عن استعداده لتسهيل كافة التحقيقات في هذا العمل الشنيع، بما في ذلك الحصول على إفادات الشهود والإثباتات اللازمة،
  3. فتح صفحة جديدة من علاقات الصداقة بين ليبيا وكل من الولايات المتحدة وبريطانيا والأسرة الدولية.

وفي بيان مشترك ثان، حمل المحامي ماكيو رسالة مصالحة من المجلس إلى ضحايا عمليات الجيش الجمهوري الإرلندي التي يُعتقد أنها نُفّذت بتمويل ودعم من نظام العقيد القذافي.

وقد أكد المجلس وفق البيان تقديره وتمسكه بالعلاقة التي وصفها بالتاريخية مع شعب المملكة المتحدة شاكرا الحكومة البريطانية على دعمها في استصدار القرار الدولي رقم 1973.

وبينما كرر البيان ما ورد أعلاه من البيان الأول زاد عليها إعلان النيّة لتعويض الضحايا في القضايا المقدّمة أمام القضاء البريطاني أسوة بالتعويضات التي حصلت عليها أسر الضحايا الأميريكيين في قضية لوكربي، إضافة إلى إنشاء صندوق إنساني لدفع التعويضات في قضايا مماثلة.

ونشرت صحيفة ليبراسيون الفرنسية تصحيحا لما جاء في بيان المجلس وفقما تلاه جايسون ماكيو، وجاء في التصحيح أن المجلس لم يقدم اعتذارا بل أعرب عن الأسف، لأن الاعتذار جدير بأن يقدمه من قام بالعمل المُدان.

ولكن العالم بأسره سمع ما قاله ماكيو باسم الضحايا وأسرهم في نهاية تلاوته للبيان، فقد قال بالفم الملآن إن المجلس الانتقالي يمثل "نقيضا لنظام القذافي"، وأضاف أن مستقبل "ليبيا الحرة" هو مستقبل "ديمقراطية وحرية وحكم القانون".

هكذا وبدقائق معدودة تجاوز المجلس الوطني الانتقالي طمغة ألصقها الغرب بليبيا على مدى عقود من حكم العقيد القذافي.

وقد فهمنا لماذا لم يحضر القاضي عبد الجليل رئيس المجلس ليعلن هو مضمون البيان بدلا من جايسون ماكيو.

فالغرب يفهم اكثر إذا ما سمع واحدا من أبنائه يحدّثه بلغته وبلكنته وعقليته... ولكن البيان الذي تلاه ماكيو لم يقل شيئا عن "الفاتورة" التي سدّدها.

أم أن "المبتدئين" في فنون السياسة لم يبلغوا بعد درسَ "المقايضة"؟