الثورات العربية قد لا تضعف نفوذ الغرب في المنطقة

ثورات مصدر الصورة BBC World Service
Image caption على الحكومات التي ستتسلم زمام الامور في اعقاب "الربيع العربي" ان تركز جل اهتمامها على موضوع رفع مستوى التعليم وتوفير فرص العمل للخريجين المهرة وتطوير القدرات والقابليات الذاتية

بعد قرن كامل تقريبا من الجمود السياسي، بدأت رياح التغيير بالهبوب على الوطن العربي. ولكن ما هو الدور الذي ستلعبه القوى الغربية في الوطن العربي الجديد الذي سيظهر للوجود بعد انتهاء مرحلة التغيير الحالية؟

يمر الوطن العربي الآن بمخاض سياسي حقيقي هو الاول من نوعه منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية، ولكن هناك ما يكفي من الدلائل التي تشير الى ان الدول الغربية - بما فيها القوى الاستعمارية السابقة - ستستمر في لعب ادوار مهمة في الوطن العربي الجديد.

شهدت المنطقة العربية آخر تغيير حقيقي بعد نهاية الحرب العالمية الاولى وانهيار الامبراطورية العثمانية.

آنذاك، تآمرت بريطانيا وفرنسا سرا على تقاسم النفوذ في المنطقة عن طريق خلق دول جديدة على الضد من طموحات العرب في الاستقلال والوحدة.

اما الآن، فطموحات الشعوب العربية في الحرية السياسية هي التي تدفع الثورات التي نشاهدها تعصف بالمنطقة.

ولكن بالرغم من قوة الرغبة التي تبديها الشعوب العربية في التغيير، لا نلحظ للربيع العربي اي خارطة متسقة يمكن تتبعها، ولذا فهناك مجال واسع للقوى الخارجية لبلورة استراتيجيات تكفل لها حماية مصالحها في المنطقة.

اما القضاء على اسامة بن لادن، فمن المرجح ان يقوي ثقة هذه القوى الخارجية باتخاذ خطوات ايجابية تكفل لها تحقيق اهدافها.

ولن يتمكن العالم العربي - الذي انهكته عقود من الانقسام والهزيمة - من فعل الكثير لمجابهة هذه القوى.

تقدم الثورة الليبية ابرز نموذج لما نرمي اليه.

فبعد ان عمد الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي الى استخدام جيشه وطيرانه الحربي ضد ابناء شعبه، طالبت جامعة الدول العربية بفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا لحماية المدنيين.

ولكن العالم العربي، بكل الثروات والموارد التي يمتلكها، لم يتمكن من بلورة موقف سياسي موحد يكفل له تشكيل القوة العسكرية الضرورية لفرض منطقة حظر الطيران المطلوبة.

ولذا رأينا العالم العربي، في نفس اللحظة التي بدت فيها ثورتا تونس ومصر وكأنهما ستعيدان للعرب كرامتهم المهدورة، يستجدي مساعدة الغرب بشكل مذل.

والآن، لا تقوم الطائرات الغربية بدك الاهداف في طول ليبيا وعرضها فحسب، بل عاد العسكريون الغربيون - من نفس الدول الاستعمارية: بريطانيا وفرنسا وايطاليا - بهيئة مستشارين عسكريين الى البلاد.

بالنسبة للعرب، وحتى اولئك الذين لا يتمتعون بذاكرات قوية، يبدو هذا المشهد مألوفا بشكل محبط: قوات غربية تتدخل لبسط سيطرتها على بلد عربي غني بالنفط والغاز.

مما لا ينكر ان التدخل الغربي في العالم العربي كان دائما ذا طبيعة انتقائية. فالغرب قرر فرض عقوبات على سورية على سبيل المثال لقمعها الحركة الاحتجاجية فيها، ولكن ليس على البحرين التي تعامل النظام فيها بنفس الدموية مع مواطنيه.

فسورية، في نظر الغرب، دولة مارقة، ومن شأن الاطاحة بالنظام الحاكم فيها كسر "قوس النفوذ" الايراني الممتد من طهران في الشرق مرورا بدمشق الى معاقل حزب الله في جنوب لبنان.

اما البحرين، فهي دولة حليفة للغرب ويقع فيها مقر الاسطول الامريكي الخامس. وفي واقع الحال فإن البحرين - أسوة بالسعودية وباقي دول الخليج - تحتاج الى الدعم الغربي حاجة ماسة لحماية صادراتها النفطية من جهة ولحماية انظمتها مما تراه خطرا ايرانيا داهما من جهة اخرى.

كما يشعر الخليجيون بقلق بالغ من تنامي النفوذ الايراني في العراق، على عكس الولايات المتحدة التي تخطط لزيادة عدد موظفي سفارتها ببغداد الى 16 الفا في العام المقبل مما يعكس ثقتها في قدرتها على حماية مصالحها - والمصالح الخليجية - في العراق.

أما مصر، فيبدو انها مصممة على مواصلة علاقاتها القوية مع الولايات المتحدة، رغم الدعوات والشعارات التي رفعها الثوار الشباب بضرورة التخلص من اتفاقية السلام مع اسرائيل. ومن المرجح ان يتم تجاهل هذه المطالبات بهدوء ودون ضجة، لأن البديل لأي حكومة مصرية مستقبلية يتلخص في العثور على موارد تأخذ مكان المعونة الامريكية (البالغة ملياري دولار سنويا) التي تحتاجها مصر حاجة ماسة. اضافة لذلك، سيترتب على الغاء معاهدة السلام رفع استعداد الجيش المصري لخوض حرب جديدة، وهو امر مكلف للغاية.

اضافة لذلك، ما زالت جزيرة قبرص توفر للبريطانيين وحلفائهم قاعدة عسكرية يمكنهم منها التدخل في اية نقطة يرغبون فيها في الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

لكل هذه الاسباب، يبدو العالم العربي الجديد مشابها الى حد بعيد للعالم العربي القديم.

ظلال الاستعمار

يشكل اخفاق العرب في اخذ زمام المبادرة والتصرف بمفردهم العقبة الرئيسية في طريق الدول التي ترغب في الابتعاد عن النفوذ الغربي، والازمة الليبية خير برهان على ذلك.

فبالرغم من مليارات الدولارات التي جمعتها الدول العربية من عائدات النفط، ورغم انفاقها المليارات على التسلح، لم يتمكن العرب الى الآن من مواجهة تحديين اساسيين.

يتمثل التحدي الاول في تحقيق تنسيق سياسي حقيقي، وهو امر لم يتمكن العرب من ادراكه بسبب الخلافات والتنافس بين الدول العربية.

اما التحدي الثاني فيتمثل في تطوير قاعدة صناعية عربية تجنب العرب الاعتماد على التقنيات والمهارات المستوردة.

فكما تبين تقارير الامم المتحدة المتلاحقة حول التطور البشري في العالم العربي، تقوم الدول العربية باستيراد التقنيات فقط دون المهارات الضرورية، وجاء في احدث هذه التقارير ما يلي: "عدا عدد محدود من الاستثناءات، لم تف الجهود التي بذلتها الدول العربية في مجالات نقل التكنولوجيا والادارة والتكيف التوقعات المرجوة منها."

اذا، على الحكومات التي ستتسلم زمام الامور في اعقاب "الربيع العربي" ان تركز جل اهتمامها على موضوع رفع مستوى التعليم وتوفير فرص العمل للخريجين المهرة وتطوير القدرات والقابليات الذاتية مما يتيح للدول العربية الاعتماد على نفسها في شتى الاوجه - والا ستبقى ظلال القوى الاستعمارية تخيم على الوطن العربي لعقود طويلة اخرى.