تحليل: السياسة الامريكية حيال سورية تعتمد على مدى نجاح سياستها تجاه ليبيا

سورية مصدر الصورة BBC World Service
Image caption صور الرئيس السوري في شارع بدمشق

دعا الرئيس الامريكي باراك اوباما الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي في فبراير / شباط الماضي الى ترك السلطة، الا ان القذافي ما زال ممسكا بزمام الامور في بلاده رغم مرور ثلاثة شهور تخللها قراران لمجلس الامن وعملية عسكرية يقودها حلف شمال الاطلسي.

وعندما تنظر واشنطن الى سورية اليوم، ينتابها قلق من احتمال تكرار التجربة الليبية: ضغوط دولية طويلة الاجل لا تفضي الى نتيجة تذكر.

وبالرغم من ان احدا لم يقترح ان يتدخل المجتمع الدولي عسكريا في سورية، ولكن الولايات المتحدة واوروبا تخشيان حتى من ان تدخلا في مواجهة دبلوماسية مع النظام السوري خصوصا وان ايديهما مشغولة بالمسألة الليبية.

وكان الرئيس الامريكي قد دعى الى تنحية الزعيم الليبي بعد عشرة ايام فقط من انطلاق الاحتجاجات الشعبية في ليبيا وورود تقارير تفيد بقيام السلطات الليبية بقتل المئات من المحتجين.

بالمقارنة، دخلت المواجهة بين النظام السوري والمحتجين عليه شهرها الثاني سقط خلالها اكثر من الف قتيل وقصف خلالها النظام المدن والقرى السورية بالدبابات والمدفعية.

وكان التردد الغربي في الضغط على سورية مرده اول الامر الامل بأن تتغلب نوازع الرئيس بشار الاسد الاصلاحية على ميوله القمعية.

أمل بالسلام

وكان الرئيس السوري قد رسم هذه الصورة لنفسه بكل عناية، فقد ادخل بعض الاصلاحات الاقتصادية المحدودة في السنوات الماضية ووعد بالمزيد.

وظهر الاسد كشخصية عقلانية بالنسبة لزائريه الاجانب الذين كان يحدوهم الامل بامكانية اقناعه بالتخلي عن حلفائه الايرانيين وبالدخول في اتفاق سلام مع اسرائيل.

لذا قررت ادارة الرئيس اوباما تسليط الضغوط على النظام السوري بشكل تدريجي، فبدأت باصدار بيانات شجبت فيها لجوء دمشق للعنف ودعت الى الاصلاح.

وفي نهاية شهر ابريل / نيسان الماضي، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي عقوبات على اعضاء في القيادة الليبية بمن فيهم شقيقه ماهر وابن خاله رامي مخلوف.

ولكن على عكس الحال مع الزعيم الليبي - الذي لا يكن له الزعماء العرب اي محبة - لم تدع اي دولة عربية المجتمع الدولي الى فرض مزيد من العقوبات على سورية.

اضافة لذلك، فإن التعامل مع سورية يعتبر تحديا عسيرا بالنسبة للولايات المتحدة والدول الاقليمية على حد سواء نظرا لحدودها المشتركة مع العراق ولبنان واسرائيل وتركيا.

"الشيطان الذي نعرفه"

لقد اتاح غياب الحماس العربي للضغط على نظام الرئيس الاسد فرصة للامريكيين والاوروبيين للتصرف ببطء حيال دمشق.

وبينما تستمر حالة الحرب بين سورية واسرائيل، فقد تطور نوع من التفاهم بين البلدين تمكن من ابقاء الحدود بينهما هادئة لعقود طويلة.

فقد اتخذت اسرائيل حيال النظام السوري موقفا يتلخص بمقولة "الشيطان الذي نعرفه خير من الذي لا نعرفه"، بالرغم من ظهور بعض العلائم التي تشير الى ان اسرائيل بدأت بالتفكير بالمنافع التي قد تتأتى عن غياب الاسد.

اما في واشنطن والعواصم الاوروبية، فان ثمة اجماع يقول إن ايام الاسد معدودة رغم غياب اي قرار بدعوته الى التنحي.

ويبدو ان الغرب - الذي توصل الى قرار نهائي باستحالة العمل مع القذافي في المستقبل - ما زال مستعدا للتعامل مع الاسد اذا قام فجأة ببذل جهود حقيقية من اجل الديمقراطية والحوار.

وقال دبلوماسي اوروبي طلب عدم ذكر اسمه إن الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين غير مستعدين للاحراج المتأتي عن دعوة رئيس عربي آخر بالرحيل دون ان يحصل ذلك فعلا. وقال الدبلوماسي: "اذا اردنا التعامل مع المشكلة السورية، علينا حل المعظلة الليبية اولا."

يقول عمار عبدالحميد، وهو معارض سوري يعيش في المنفى في الولايات المتحدة منذ عام 2005، إن الادارة الامريكية تتعمد ابطاء العملية التي تؤدي الى دعوة الرئيس الاسد الى الرحيل من اجل افساح المجال لانهاء المهمة في ليبيا.

فلم تتطرق وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون الى علاقة الاسد المباشرة بما يجري من عنف في بلاده الا في الاسبوع الماضي عندما قالت إن الرئيس السوري يتحدث عن الاصلاح ولكن افعاله تفضح نواياه الحقيقية.

فرصة اخيرة

الا ان الرئيس اوباما ذهب الى ابعد من ذلك في الكلمة التي القاها في مقر وزارة الخارجية يوم الخميس المنصرم، حيث خير الرئيس السوري بين قيادة عملية التحول الديمقراطي والمغادرة.

ولكن اوباما ايضا امتنع عن المطالبة بتنحي الاسد او القول إنه فقد شرعيته. لقد ابقى الرئيس الامريكي الباب مفتوحا للرئيس الاسد، ولو انه رفع سقف ما يتوجب عليه فعله لينال رضا المجتمع الدولي.

واشارت وزيرة الخارجية كلينتون مرة اخرى الى هذا الباب يوم الثلاثاء عندما قالت إن "الاسد قال اشياء كثيرة لا نسمعها من سواه من القادة في المنطقة حول التغيرات التي يريد ادخالها في بلاده، ولكن كل هذه الامور قد انتهت الآن وقد لا تكون للرئيس السوري الا فرصة واحدة اخيرة."

من جانبه، يعترف عمار عبدالحميد ان السبب الثاني لتردد الولايات المتحدة في الدعوة الى تنحي الرئيس الاسد يكمن في جهلها بمن سيخلفه، إذ يقول: "لا يعتقدون (الامريكيون) انه اصلاحي، ولكنهم لا يرون بديلا له."

تشير التقارير الى ان مجموعة كبيرة من الحركات المعارضة للنظام السوري تنوي عقد اجتماع في تركيا نهاية الشهر الجاري من اجل اختيار مجلس انتقالي والاتصال بالمعارضين داخل سورية واظهار بديل واضح للاسد للمجتمع الدولي.

اذا كتب لهذا الاجتماع النجاح، سيمثل ذلك نقلة نوعية في النقاش حول مستقبل سورية.