عيد فطر في طرابلس بطعم الحرب والنخوة

عيد  الفطر في طرابلس مصدر الصورة AFP
Image caption الساحة الخضراء بات اسمها ساحة الشهداء

تحت الظلال الوارفة لنخيل ميدان الشهداء في وسط طرابلس جلس مصطفى وزوجته وأبناؤهما الأربعة الذين لم يكفوا عن اللعب والتناوش في ما بينهم.

هذه الجلسة الهادئة كانت في حكم المستحيل قبل حوالي عشرة أيام، بسبب ظروف الحرب التي تعيشها ليبيا منذ اكثر من ستة أشهر.

لكن هذه الاسرة التي يبدو أنها فقيرة الحال اختلست هذه اللحظة المنفلتة من عقال العنف، لتحتفل بعيد الفطر والابتعاد عن أجواء الرعب والهلع.

مصطفى ذو الاثنين والأربعين عاما ينحدر من بلدة تيجي، في السفح الشمالي لجبل نفوسة، حيث دارت قبل ثلاثة أسابيع معارك طاحنة بين الكتائب الموالية للعقيد معمر القذافي، والمقاتلين التابعين لثورة 17 فبراير، وانتهت بانتصار المعارضين المدعومين جوا من قوات الناتو.

كابوس

يقول مصطفى إنه يشعر بزوال "كابوس" ظل جاثما على صدره منذ أصبح واعيا.

و"الكابوس" الذي يتحدث عنه ما هو سوى نظام العقيد معمر القذافي، الذي لم ير مصطفى وأبناء جيله، وأبناء الأجيال اللاحقة، حاكما لليبيا غيره.

تحت أشعة شمس حارقة كان ميدان الشهداء أو الساحة الخضراء كما كانت تسمى في السابق، مكتظة بالمصلين الذين قدموا من مختلف أنحاء طرابلس، لأداء صلاة العيد، وقد تدلت على أسوار مبنى "السرايا الحمراء" العثماني المطل عليها، أعلام الاستقلال لأول مرة بدلا عن العلم الاخضر الذي اشتهر به نظام القذافي.

تبدو علامات الفرحة والاستبشار على وجوه معظم من تلتقيهم في وسط العاصمة الليبية، إلا ان نقط التفتيش التي يسيرها مسلحون مدنيون أو في لباس شبه عسكري، تذكر المتجول بأن الحرب لم تضع بعد أوزارها.

وبين الفينة والاخرى تسمع في الهواء طلقات احتفالية من بنادق أو مدافع رشاشة، لتعكر صفو الهدوء الذي ينشده مصطفى وأسرته الصغيرة، وبعض الأسر التي تجمعت في حدائق ميدان الشهداء.

سألت ابنه أسامة البالغ من العمر حوالي عشرة أعوام عن مشاعره إزاء أجواء الرعب التي عاشها إبان حرب طرابلس، فقال إنه تعود عليها!!. بل مضى إلى حد القول : "لقد استمتعت بها لأنني متعود على خوض الحروب على جهاز الكمبيوتر ".

كان أسامة يقصد "حروبه الافتراضية" االتي توفرها له الألعاب الالكترونية. إلا ان شقيقته التي تكبره سنا تدخلت قاطعة عليه حبل الحديث، لتذكره بأن الأهل جميعا تملكهم الهلع إبان القصف والتراشق المتبادلين بين قوات القذافي ومقاتلي المعارضة، إضافة إلى القصف الجوي القوي الذي شنه حلف شمال الناتو على مواقع محددة في طرابلس منذ أواخر مارس أذار الماضي.

تدارك أسامة حديثه، وقال هذه المرة بلغة رجل عاقل راشد: "اللهم اجعل ليبيا الحبيبة آمنة وأنزل السكينة والطمأنينة عليها وأعد لنا الاستقرار الذي افتقدناه".

ابتسم مصطفى لكلمات ابنه، لكن تلك الابتسامة سرعان ما تبددت حينما سألته عن الأوضاع المعيشية فقال إنه، شأنه في ذلك شأن معظم الليبيين، لم يتلق راتبه منذ عدة أشهر، وليس له معيل يساعده على تلبية الاحتياجات الأساسية له ولعياله.

غير بعيد عن حيث كان يجلس مصطفى، توجد بناية يعود تاريخ إقامتها إلى عهد الاحتلال الايطالي.

في أعلى واجهتها كتبت بحروف بارزة عبارة "مصرف الجمهورية"، وتحت هذه الحروف توجد ثقوب متفاوتة العمق والاتساع، نتيجة لرشق بالرصاص استهدفها على ما يبدو يوم دخلت قوات المعارضة إلى طرابلس.

مصرف الجمهورية في جماهيرية القذافي متوقف حاليا كغيره من المؤسسات الأخرى إلا أن خدماته تراجعت كغيره من المصارف منذ مدة نتيجة لقلة السيولة.

هذا الوضع دفع بالمجلس الوطني الانتقالي إلى الإلحاح في مطالبة المجتمع الدولي بالعمل بسرعة على الإفراج عن الأصول الليبية المجمدة في الخارج لدفع رواتب ملايين الليبيين الذين أضحوا غير قادرين على تحمل ارتفاع أسعار المواد الأساسية، بشكل جعلهم أقرب إلى الفقر في بلد غني بالنفط والغاز الطبيعي، واشتهر زعيمه المختفي عن الأنظار بإغداق العطايا والدعم على الكثير من المنظمات وحتى الرؤساء الموالين له.

قال مصطفى قبل أن أستأذنه بالانصراف:"لا علينا ، الأهم هو أننا تحررنا، وقريبا ستعود ليبيا إلى سابق ازدهارها، أو أفضل