محللون: الأغلبية الصامتة كلمة السر في الانتخابات المصرية المقبلة

متظاهرون مصريون مصدر الصورة Reuters
Image caption تقف "الأغلبية الصامتة" وراء الخمول السياسي الذي ساد مصر لنحو ستة عقود

ما تزال غالبية الشعب المصري الذي يمر بمرحلة تحول من نظام رفضه إلى نظام يطلبه عازفة عن المشاركة السياسية لأسباب عدة منها ما هو واضح جلي ومنها ما يستوجب جهدا جهيدا لرصده. لكن المؤكد أن تحرك هذه "الأغلبية الصامتة" قد يخلق نموذجاً ديمقراطيأ فريداً وملهماً لشعوب هذه المنطقة.

وتقف هذه الأغلبية الصامتة وراء الخمول السياسي الذي ساد مصر لنحو ستة عقود منذ استقلالها عن بريطانيا وزوال الملكية وإقامة الجمهورية. وما كان الحراك الذي لمسه العالم، والذي أطاح بنظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك في 18 يوماً، إلا بعض المشاركة الإيجابية من هذه الكتلة الصامتة، حسب محللين سياسيين مصريين.

يقول حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، في اتصال خاص مع بي بي سي: "إن الأغلبية الصامتة موجودة في كل نظام سياسي، بما في ذلك الأنظمة الديمقراطية، ولكنها تزيد وتنقص حسب النظام السياسي، سواء كان ديمقراطياً أو استبدادياً.

وهذه الأغلبية الصامتة، على حد قول نافعة، تتحرك في الظروف الاستثنائية فقط، وعندما تشعر بالخطر من أن النظام السياسي قد ينقلب ضدها تماماً، أو عندما تكون هناك انتخابات تحسم نتيجتها قضية تهم غالبية الشعب أو في أعقاب الثورات.

"ممارسة ديمقراطية"

ففي الاستفتاء الأخير، الذي أجراه المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يدير شؤون البلاد منذ سقوط نظام مبارك في الحادي عشر من شهر فبراير/شباط الماضي، ووصفه الخبراء بأنه أول ممارسة ديمقراطية يقوم بها المصريون منذ عهود بعيدة، شارك نحو 18 مليون مصري فقط من نحو 50 مليون ممن لهم حق التصويت.

حدث ذلك بالرغم من التسهيلات التي قدمت، حيث كان يستطيع أي ناخب فوق الثامنة عشر من العمر أن يدلي بصوته في أي لجنة على مستوى الجمهورية.

والأمر مختلف في الانتخابات البرلمانية، فيمكن لكل من يملك بطاقة تحقيق شخصية بالرقم القومي المصري أن يشارك في العملية الانتخابية في الدائرة التي ينتمي إليها، والمثبتة بمحل إقامته في تحقيق شخصيته، ومن ثم على كل ناخب أن يتعرف مقر على لجنته الانتخابية، وهو ليس بالأمر السهل، وربما يكون مبرراً لامتناع الكثيرين، حسبما يقول بعضهم.

ويؤكد نافعة أنه من الصعب جداً التنبؤ بما إذا كانت هذه الأغلبية سوف تتخلى عن صمتها وتقوم بالمشاركة بإيجابية أم لا. ولكن في حال ما إذا تحركت هذه الكتلة الغالبة، فإنها ستعبر عن التوجه الحقيقي للشعب بأكمله. أما في حال التزام هذه الأغلبية الصمت، فإن القوى الأكثر تنظيماً والأكثر قدرة على الحشد هي التي ستفوز بالانتخابات، أو تفرض إرادتها بالرغم من أنها ربما تكون أقلية.

ويضيف نافعة أنه في الحالة المصرية الراهنة هناك احتمالان لا ثالث لهما: أن تؤثر الأغلبية الصامتة عدم المشاركة بسبب ما تراه من تناحر وخلافات بين الأحزاب المختلفة، أو أن تشارك في العملية الانتخابية لقناعتها بأن صوتها مؤثر وأن النظام السياسي الجديد يقبل بتوجه الأغلبية.

"حزب الكنبة"

أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني أطلق مدونون وناشطون سياسيون مصريون على كل من لا يشارك في التظاهرات ويؤثر مشاهدة ما يحدث على شاشات التلفاز اسم "حزب الكنبة"، معللين ذلك بأنهم لا يغادرون أرائكهم، حتى لو احترقت البلاد. ويقول عماد جاد، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إنه سرعان ما أثبت الكثير من أعضاء "حزب الكنبة" أنهم إيجابيون بعدما انضم إلى الثوار ما لا يقل عن 20 مليون مصري هم من أيدوا الثورة وثبتوا قلوب شبابها.

ويضيف جاد في حوار مع بي بي سي: "سوف تتحرك الأغلبية الصامتة في مصر تدريجياً، فعندما يتزايد لديها الشعور بأن أصواتها مؤثرة وأنها سوف تصنع مستقبل بلادها، فهي لن تتوانى عن المشاركة بكل قوة".

ولكن لا تزال هنالك أسباب أخرى من الصعب أن يرصدها محللون سياسيون تدفع المصريين نحو الصمت والسلبية، منها الفقر والحاجة والتخلف وأيضا انعدام الوعي السياسي المطلوب في مرحلة التحول الديمقراطي الحالية.

يقول وليد عبدالغفار، وهو خريج كلية التجارة منذ 2003 ويعمل بطلاء جدران المنازل في منطقة شبرا في العاصمة: "لن اذهب إلى لجنة الانتخابات، وهي عادة ما تكون في مدرسة من المدارس القريبة. لكني لا أستطيع أن أترك عملي في هذا اليوم من أجل أن أقف في طابور، ويمكن انضرب مطوة في الزحمة. أنا مش فاضي للكلام ده."

ولكن "حموده"، أحد العمال الذين كانوا يشاركون وليد "مقاولة" الدهان، قال شيئاً مختلفاً: "ليست العملية صوتي ولا صوت وليد، ولا حتى صوتك. نحن تعودنا على أن ما تريده الحكومة هو الذي يجب أن ينجح."

إقبال متفاوت

يُذكر أن مشاركة المصريين في الاستفتاء على الإعلان الدستوري كانت قد بلغت 36 بالمائة، وهي أعلى نسبة مشاركة حقيقية بعد ممارسة وصفت من قبل المنظمات الحقوقية آنذاك بـ "النظيفة والنزيهة".

لكن في الانتخابات ما قبل الخامس والعشرين من يناير لم تكن نسب الإقبال تتخطى حاجز الـ 10بالمائة، وإن كانت تُزوَّر لتصل إلى أضعاف تلك النسبة.

تخمين وتنبؤ

ولكن، هل يصلح التخمين والتنبؤ بنسب الإقبال في الانتخابات المقبلة؟ أجاب جاد على هذا السؤال بالإيجاب قائلا: "أتوقع نسب إقبال ما بين 60 إلى 70 بالمائة، إذا ما أُحسن التنظيم وأحكمت السيطرة الأمنية ونجحت الأحزاب في حشد الناخبين."

وقد خالف نافعة ذلك القول، مؤكدا على صعوبة التنبؤ بأي نسب في ظل وجود الأغلبية الصامتة تلك، بل ربط بين قدرة النخبة على توصيل شعور بأن "كل صوت انتخابي مؤثر".

وأعطى نافعة مثالا على ذلك بما حدث في تونس من خروج نحو 90 بالمائة من التونسيين للتصويت، قائلاً: "شعر التونسيون بحساسية المرحلة وبأهمية الصوت الانتخابي وبقدرتهم على التغيير، فخرجوا للمشاركة."

لكن كلا المحللين أجمع على أنه للمرة الأولى يقف المصريون أمام اختبار حقيقي عن كيفية صنع النظام السياسي، وأنه "على النخب في هذا المجتمع أن يضطلعوا بواجبهم التوعوي نحو هذه الأغلبية الصامتة".

المزيد حول هذه القصة