يوميات الانتخابات المصرية

تصويت في القاهرة مصدر الصورة Getty
Image caption ثلاث مراحل لانتخابات مجلس الشعب

بدأت يوم الاثنين الموافق 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 الانتخابات البرلمانية المصرية: هنا يوميات موفدنا، محمد طه، الذي يغطي هذه الانتخابات من هناك.

الخميس 8 ديسمبر/ كانون الأول

قصدت في محطتي التالية قرية ساقية أبو شعرة في قلب دلتا مصر قرية ساقية أبو شعرة في محافظة المنوفية قلب دلتا مصر

و كما هو الحال في الطريق الي السويس فإنه لا يوجد قطار يربط بين السويس وشبين الكوم في وسط الدلتا، ما يتطلب الذهاب الى القاهرة أولا.

العشوائية الكبيرة هي أبرز ما تتسم به قرى الدلتا ومدنها وفي منطقة تعد أراضيها من أخصب الاراضي الزراعية في العالم تجد البنايات تنتشر في كل مكان.

ولا تخطئ العين عزوفا عن الزراعة يظهر جليا في تقطيع أوصال الاراضي الزراعية بل إن بعض المزارعين في القرية قالوا لي إنهم ربما يفضلون التوجه إلى القاهرة وربما العمل في جمع القمامة عن زراعة أرضه.

واشتـهرت قرية ميت أبو شعرة بصناعة السجاد اليدوي لكن هذه الصناعة ِ أيضاً تتجه إلى الاندثار.

فقد اكتوت الصناعة كغيرها من الصناعات بطوفان من المنتجات الصينية الرخيصة الآتية والتي غزت الاسواق بعد الثورة في غياب تام للجهات الرقابية.

التقيت طفلا في التاسعة من عمره اسمه محمود. محمود يعمل في صناعة السجاد ثمان ساعات في اليوم لقاءَ خمسة جنيهات مصرية أي أقل من دولار واحد ، في حين قد يزيد سعر السجادة الواحدة عن خمسين ألف جنيه.

محمود وغيره من أهالي ميت أبو شعرة ربما لا يكترثون كثيرا بما شهدته مصر من ثورة أو ما تقبل عليه من انتخابات. فعندما تجوع البطن وتشتد الحاجة فقد يخفت نداء الحرية في العقل.

لعل هذا ما يدعو إلى القول بأن ثورة َ يناير صنعتها المدن و اكتوت بنيرانها القرى.

أسيوط/ الاثنين 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2011

اليوم ينقلنا قطار الانتخابات المصرية إلى قلب صعيد مصر، محافظة أسيوط.

وفي الطريق الى أسيوط، تختلط بك الكثير من المشاعر، لطالما كانت هذه المحافظة مسرحا لعمليات إرهابية، ومركزا لنشاط الجماعات الاسلامية المسلحة، ونزاعات بين مسلمين ومسيحيين. كلـها ربما قضايا تطرح نفسها على هامش أول انتخابات مصرية بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني.

قصدنا قرية تسكنـها اغلبية مسيحية، وهي قرية كوم بوها بحري. هذه القرية التي ذاع صيتـها قبل نحو عامين عندما عينت فيها اول امرأة في منصب عمدة قرية، وهي المحامية إيفا هابيل.

وقبل لقائي مع ايفا هابيل، تحدثت معها عبر الهاتف، وسألتها لماذا لم ترشح نفسها في هذه الانتخابات، رغم أنها كانت عضوا في مجلس الشورى، فردَّت قائلة ببساطة:

"المشهد السياسيَ في مصر حاليا يشبه الشارع المزدحم، دون وجود طريق للمشاة، وأن ما يملأ مصر حاليا من تطرُّف يجعلـها ليست البلاد التي اعتدت أن أعيش فيها".

ريف صعيد مصر يمتاز بجماله ونظامه وحسن تنسيقه. أما قرية كوم بوها، فتشتهر بالصناعات الداجنة. الكل هنا تقريبا ناقم على الثورة التي أدَّت الى ارتفاع الأسعار وقلة الطلب، ما جعل صناعتـهم على حافة الإفلاس. وتنتشر بينهم عبارة "البـِح بَح"، أي أن طيور البط التي اعتادوا تربيتها لم يعد لها وجود.

بل إن الجميع لا ينتظرون خيرا من الانتخابات المقبلة، فهم كقرية مسيحية تقع وسط قرى فيها تيارات إسلامية ٍ قوية يـزعجهم كثيرا تعالى أصوات التشدد الديني، ولا يشعرهم بأي اطمئنان.

السويس/ الجمعة 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2011

بعد فراغي من رحلتي في دمياط توجهت إلى السويس. لا يوجد قطار يربط بين محطات المدينتين. فمن يرغب في أن يقصد السويس من دمياط بالقطار، عليه أن يذهب إلى القاهرة أولا ثم يتوجه بعد ذلك إلى السويس. طريق السويس يشق الصحراء الشرقية ويمر على كثير من المحطات العسكرية التي لا تستخدم إلا من جانب ضباط وجنود القوات المسلحة.

Image caption السويس حافظت على اتقاد جذوة الثورة

لا تستطيع أن تغفل ارتفاع درجة التأهب الأمني بين قوات الجيش التي تبدو في انتشار جنود الشرطة العسكرية في كل مكان.

خلال رحلتي إلى السويس خالجتني مشاعر كثيرة. فالسويس هي المدينة التي حافظت على استمرار اشتعال جذوة الثورة المصرية بين يومي 25 يناير/ كانون الثاني وجمعة الغضب يوم 28 يناير. وشهدت أول ضحايا الثورة. وللمدينة تاريخ طويل من النضال الوطني خلال حروب ستة وخمسين وسبعة وستين وثلاثة وسبعين. وكلما ثار المتظاهرون في التحرير كلما وجدوا استجابة قوية في السويس.

منطقة الأربعين المكتظة بالسكان كانت مقصدي الأول.

ومن اللافتات الانتخابية التي تملأ المنطقة تشعر أن هناك تجاذبات كثيرة تملأ المدينة بين من يوصفون بـ "فلول" الحزب الوطني ومرشحي الأحزاب والكتل المختلفة.

كل له مصلحته التي يحاول الدفاع عنها بكل ما أوتي من قوة.

وفي منطقة الجناين التي تعرف بزراعة المخدرات وتقع على ضفاف قناة السويس دخلنا بحذر وحاولنا الحديث مع المواطنين هناك، لكن الجميع يتحدثون بحذر. ففي هذه المنطقة أغلقت القوات المسلحة قنطرة تعبر قناة السويس بسبب انتشار عمليات التهريب.

وفي منطقة نائية بالسويس ذهبت إلى منصة لبناء المراكب او كما يسميها أهل السويس (الأزأ). وفي هذا المكان وجدنا منطقة غطت على سحرها كآبة العاملين فيها سواء من عمال بناء السفن أو من الصيادين.

فالجميع يشكون قلة العائد المادي بل قلة ما اصبح يلقيه البحر إليهم. قال لي العاملون في المكان إن كثيرا من المزارعين في الدلتا توافدوا إلى السويس وحصلوا على تصريحات صيد صورية بعد ثورة يناير لمزاولة أعمالهم ما ضيق عليهم سبل العيش.

دمياط- الخميس 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2011

Image caption شهدت دمياط احتجاجات على استمرار العمل في مصنع للببروكيماويات متهم بتدمير المحاصيل الزراعية

بداية رحلة القطار إلى محافظات مصر كانت بمحطة ِ قطار السكك الحديدية الرئيسية في القاهرة المعروفة باسم (محطة مصر) .. هذه المحطة تم تجديدُها أخيرا، لكن شبكة القطارات عموما في مصر لا تتمتع بشعبية كبيرة بين المواطنين خاصة بعد حوادث القطارات المتكررة خلال السنوات الماضية.

قصدت برحلتي الأولى قرية الخياطة الواقعة على أطراف مدينة دمياط الساحلية على البحر المتوسط. قبيل بدء رحلتي إلى دمياط كانت أزمة مصنع أجريوم تتصاعد، حيث شهدت المدينة احتجاجات على استمرار العمل في مصنع للبتروكيماويات يقول أهالي المدينة إنه يدمر مزروعاتهم ويصيب مواشيهم بالأذى بل ونساءهم بالعقم وأطفالهم بالتشوه.

لكنني آثرت أن اكمل رحلتي إلى دمياط خاصة وأن الوقت يمضي سريعا قبل الانتخابات البرلمانية.

وفوجئت في محطة مصر بأن قطار (القاهرة - دمياط) لن يصل إلى دمياط لأن محطة القطار هناك مغلقة ... حالها في ذلك حال معظم الطرق المؤدية إلى المدينة بسبب الاحتجاجات.

وقد أصبح إغلاق الطرق والمرافق ومحطات القطار أمرا معتادا في مصر مع ترهل الحالة الأمنية، فأي فئة من الشعب لها مطلب وترغب في لفت الأنظار إليها تقوم بإغلاق طريق أو محطة قطار.

Image caption يشتكي أصحاب الورش الصغيرة من صعوبات اقتصادية بعد الثورة

اضطررت لاستخدام سيارة في جزء من رحلتي إلى دمياط، ولم تكن أيضا رحلة سهلة بسبب إغلاق الطرق المؤدية للمدينة. وفي النهاية تمكن السائق .. أيمن من أن يصل بي إلى دمياط ومنها ذهبت إلى قرية الخياطة التي تشتهر بصناعة الأثاث.

قال لي أصحابُ الورش الصغيرة في المدينة إنه منذ ثورة يناير، أصبح وضع أعمالهم صعبا للغاية.

وكان من يقصد مدينة دمياط لشراء الآثاث في الماضي يحمل معه مبلغا زهيدا من المال يدفعه كمقدم لثمن ما يرغب في شراءه من أثاث على أن يدفع بقية المبلغ عندما يصل الأثاث إلى منزله.

لكن أصحاب الورش يطلبون الآن من المشتري دفع الجزء الأكبر من ثمن الأثاث قبل البدء في نقله خاصة وأنه لا توجد ضمانة لوصول الأثاث في الوقت المحدد. وفي المقابل، فإن المشترين يخشون من السفر حاملين مبلغا كبيرا من المال في ظل تلك الأوضاع.